تضعنا سورة هود أمام واحدة من أدق الإشارات في هندسة الكلمات؛ حيث تتقاطع معاني المَنْسَك (العبادة) بمعاني المَسْكَن (العمران)، لترسخ حقيقة أن استقرار المسكن البشري رهينٌ بسلامة المنسك الروحي. إن الصراع الذي خاضه نبي الله شعيب -عليه السلام- مع قومه لم يكن حول شعائر معزولة، بل كان حول سيادة المنهج على السوق والميزان. ففي مواجهة العلمانية المعرفية التي أرادت فصل الصلاة عن المال ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ...﴾، قدّم شعيب منهجا للإصلاح الذي يربط بين تربية الرب واستقامة الرباني.
1. الآية العمود: "من رَبِّي" يولد الرباني
تنتصب الآية (88) من سورة هود كـآية عمود تؤصل لهوية المصلح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِِّي... إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾. إن الإصلاح في فكر النهضة ليس رغبةً عشوائية، بل هو ثمرة تربية ربانية. فالمصلح لا يكون ربانياً إلا إذا كان استمداده كلياً من مختبر ﴿مِن رَّبِِّي﴾؛ تربيةً، وعلماً، ورزقاً. الناهض هنا إنسانٌ مُرَبّى؛ تلاشى في منهج ربه ليعيد صياغة الواقع بـبينة صلبة، متحرراً من نرجسية الأنا ليعتصم بمرجعية الائتمان.
2. برهان النموذج: النجاح الميداني كحجة
المصلح الرباني ليس فاشلاً مادياً يبحث عن تعويضٍ في الدين، بل هو سيد الميدان. ويرى المراغي أن قوله ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو شهادة خبرة؛ فـ «ما أقوله لكم صادر عن تجربة في الكسب الطيب وما فيه من خير وبركة، لا عن آراء نظرية ممن ليست له خبرة». فالنهضة تتطلب ريادةً في (المسكن/السوق) ليكون نجاح الدنيا حجةً لصدق المنهج. الناهض يُثبت أن المنهج المحكم أثمر في حياته كسباً طيباً، ليحول صلاته من طقس في محراب إلى ضابط جودة يحقق إتقاناً ونفعاً للناس.
3. إستراتيجية التطويع: الاستطاعة كفعل اقتدار
الآية العمود تقدم تحريراً معرفياً لمفهوم الاستطاعة؛ فهي ليست جداراً للاعتذار بالعجز، بل هي (طلبٌ لتطويع الأسباب). ويثبت الراغب الأصفهاني رحمه الله هذا المفهوم التقني للاستطاعة بقوله حرفياً: «والاستطاعة: استفالة من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتياً، وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل آلياً». الناهض يفهم ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ كعملية بناء لهذه الأركان الأربعة؛ فبقدر ما تجتهد في تطويع مادة الواقع بآلات العلم وتجويد التصور، يمتدُّ مبلغك من الإصلاح.
4. السيادة الأخلاقية: وحدة المبدأ والمسلك
لكي لا تتحول النصيحة إلى تخسير، يلتزم الرباني بـ الاتساق المنهجي: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. إن المصداقية هي الوتد الذي يحمي المصلح من تهكم المَلأ. الإصلاح يبدأ من ذات المصلح؛ فعدم المخالفة هو الذي يحول الكلمة إلى سلطة أخلاقية تفرض جودتها على الميدان، وتجعل من المنسك الرباني حارساً للموارد المشتركة من تغول الحيازة الجائرة للمسكن (العمران).
الخاتمة:
إن الإصلاح الحضاري هو صناعة توفيق؛ تجمع بين بذل الوسع في تطويع الأسباب (استعداداً) وبين الانكسار في محراب الإنابة (استمداداً). فإذا أُحكمت الربانية بالصلة مع الله، واستُخدمت الاستطاعة لتذليل العقبات، فُتحت أبواب المتاع الحسن في الأرض، واستقام ميزان المسكن ببركة المنسك، مصداقاً لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
