استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

بَصيرةُ المتوسِّم.. كَيْف نَفُكُّ شِفْرَةَ السُّنَنِ في رُكامِ واقع مشتبك؟


تمهيد: من سِتار التاريخ إلى رُّوح المنهج

ننتقلُ اليوم في سورة الحجر من موقع الاستخلاص إلى مَنظومة البلاغ السنني؛ حيثُ نرى العمود وهو يَسري كَالرُّوح في قصة إبراهيم وقصة لوط، لِيُجسد لنا كَيف يَنزلُ القَدَرُ المكتوب على أرضِ الواقع.

إنَّ النهضةَ تَتوقفُ حين يظنُّ العقلُ أنَّ أحداثَ الوحي حكاياتٌ مَاضية، وتَنطلقُ حين يَمتلكُ الناهض قُدرةَ التوسُّم؛ لِيفتحَ سِتارَ المَسرحِ الحضاري، ويَرى الخوارزمياتِ السننيةَ التي تَحكمُ بَشائرَ المِيلادِ وصيحاتِ الهلاكِ في آنٍ واحد. فليس التاريخُ عنده أرشيفاً جامداً، بل هو مرآةٌ حيّةٌ تعكسُ قوانينَ الكونِ التي لا تتبدل.

1. الآية العمود: رُّوحُ المقطع وإقليدُ الاستبصار

تنتصبُ الآية (75) كَرُّوحٍ تَسري في كلِّ غصنٍ من أغصانِ هذا الثمن: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. إنَّ التوسم هو النُّسغ الذي يُحولُ النَّبأ من كَلامٍ يُسمع إلى رُّؤيةٍ تُطبق. فبدون التوسم، تظلُّ قصةُ إبراهيم حكايةَ مِيلاد، وقصةُ لوط حكايةَ دمار؛ أما بالتوسم، فتتحولان إلى مَنظومةِ إنذارٍ مُبكر تَقيسُ مَسافةَ المجتمعِ عن حافةِ الهاوية، أو تَقيسُ استحقاقَه لِبشارةِ التمكين.

2. أغصانُ التوسُّم في عيون المفسرين:

أولاً: التوسم كَرصدٍ سنني ( الطبري):
يَفتحُ الطبري أولَ أبوابِ الفِراسةِ التاريخية بقوله: «إن في الذي فعلنا بقوم لوط من إهلاكهم وأحللنا بهم من العذاب لَعَلامات ودلالات للمتفرّسين المعتبرين بعلامات الله وعبره على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به. وإنما يعني تعالى ذكره بذلك قوم نبي الله صلى الله عليه وسلم من قريش يقول: فلِقومك يا محمد في قوم لوط، وما حلّ بهم من عذاب الله حين كذّبوا رسولهم وتمادوا في غيهم وضلالهم مُعْتَبَرٌ». المتوسم عند الطبري هو مُحللُ بياناتٍ سنني يَستخدمُ الماضي لِتوقعِ مآلاتِ الحاضر.

ثانياً: التوسم كَنورٍ سيادي (الماتريدي):
يَرتقي الماتريدي بالتوسم ليكون منهجاً لِفهمِ المَعنى، فيقول: «قال بعضهم: {للمتوسمين} للمتفرسين من الفراسة. وروي في ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) قال: ثم قرأ: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين}.. والمتوسم هو الذي يعلم بعلامة، وكذلك المُتفرس هو الذي يعلم بعلامة في غيره؛ ينظر في غيره بأن هلاكه بما كان؟ فينزجر عن صنيعه، ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعلم بالمعنى». فالتوسمُ هو النور الذي يَكشفُ لِلناهض مَعنى السقوطِ أو النجاة خَلْفَ حطام المادة.

ثالثاً: التوسم كَقراءةٍ لِلأوسمةِ المادية (ابن عطية):
يُشرح ابن عطية العلاقة بين السمة والواقعة بقوله: «وأما تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شر يلوح عليه وسم عن تلك المعاني، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن الخير ونحو هذا، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى، وكأن معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسماً، فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا ينزل به ما نزل بهم». فالنهضةُ هي فكُّ شفرةِ الأوسمة؛ حيثُ المادةُ لغةٌ صامتةٌ لا يَنطقُها إلا المتوسم.

رابعاً: التوسم كَجودةِ مُحركٍ ذهني ( ابن العربي):
يضع ابن العربي المُواصفات التقنية لِعقل المتوسم: «التَّوَسُّمِ: وَهُوَ تَفَعُّلٌ من الْوَسْمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَطْلُوبٍ غَيْرِهَا. وَفِي الْفِرَاسَةِ أَيْضًا، يُقَالُ: تَفَرَّسْت وَتَوَسَّمْت. وَحَقِيقَتُهَا الِاسْتِدْلَال بِالْخَلْقِ عَلَى الْخُلُقِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِجودَةِ الْقَرِيحَةِ، وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ، وَصَفَاءِ الْفِكْرِ». والتوسمُ هو خوارزميةُ الربط بين الخَلْق والخُلُق، بين المشاريع المادية والقيم المحركة لها.

3. هندسةُ المآلات: من توسُّم البشارة إلى السَّبيل المُقيم

المتوسم الناهض هو من يقرأ أغصان التشجير بوعيٍ كلي، ويُحسنُ التنقلَ بين قطبَي الآية: البشارة والنذارة.

فقصةُ إبراهيم تُعطيه غصنَ توسُّمِ البشارة؛ حيثُ يَرى في ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الوَسْمَ الإلهي الذي يَخرقُ عُقمَ الواقع، ويُعلّمه أنَّ البشارةَ لا تأتي إلا حيثُ يُوجدُ استعدادٌ يستحقُّها. وقصةُ لوط تُعطيه غصنَ السبيل المُقيم؛ لِيعلمَ من ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ أنَّ سُننَ الانهيارِ طريقٌ ثابت لا يُحيدُ عن المُجرمين، وأنَّ الغفلةَ عن قراءةِ أوسمةِ الانحراف هي أولُ خطواتِ السقوط.

النهضةُ هي تغييرُ المَسار قَبلَ نُزولِ الصَّيحة، وهي قراءةُ بشاراتِ الميلادِ قبلَ أن يكتملَ الفجر؛ بِفضلِ حِدّة الخاطر التي تَكشفُ عُمقَ المَعاني خَلْفَ سُتورِ المباني.

الخاتمة:

إنَّ ستارَ المَسرحِ السنني لا يَنفتحُ إلا لِمن امتلكَ كشافاتِ التوسم. لا تكن مجرد ناظرٍ لِلقشرة المادية، بل كن مُتوسماً لِلُّبِّ السنني؛ فبقدرِ صفاء فكرك وجودة قريحتك، تُبصرُ في رُكامِ المدنِ مَفاتيحَ البناء، وفي ظُلماتِ اليأسِ بَشائرَ الحق. وتلك هي الهِبةُ التي يمنحُها اللهُ لِعبادِه الناهضين: أن يَروا ما لا يَراه غيرُهم، ويَبنوا ما لا يُحسنُ غيرُهم تصوُّره.


كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.