تُروى قصةٌ عن الامام البخاري ، أنه كان في سفرٍ على متن سفينة، فأخبر أحد الركّاب – من خلال حديثٍ بينهما – أنه يحمل كيسًا فيه ألف دينار. وفي اليوم التالي، ادّعى ذلك الرجل أنه فقد كيسًا بالمواصفات نفسها، فقرر القبطان تفتيش الركّاب جميعًا.
وحين وصل التفتيش إلى البخاري، لم يجدوا معه شيئًا. وبعد انتهاء الرحلة، سأله الرجل: أين ذهبت بالدنانير؟ فأجابه: رميتها في البحر… خشيت أن تُمسّ مصداقيتي بشبهة.
قد لا تكون هذه القصة ثابتة من حيث الرواية، لكنها ثابتة من حيث المعنى…
فهي تضعنا أمام حقيقة دقيقة:
أن الخطر ليس دائمًا في الوقوع في الخطأ، بل في الاقتراب من دائرة الشك.
في حياتنا، لا تكمن المشكلة دائمًا في أن نكون على حق أو على باطل،
بل في كيف نُرى، وكيف تُفهم تصرفاتنا.
وهنا تتجلى حكمة بليغة:
لا تدخل جدلًا مع نافخ كير… حتى لو كنت محقًا مئة بالمئة.
فإن اختلفت معه، خرج من الجدال الدخان والشرر، وتلوّث المشهد كله،
ومن يراه من بعيد لن يميّز من المصيب ومن المخطئ… بل سيكتفي بالقول:
“هذا رجل كثير الخصام”.
إنها دعوة لا للانسحاب من الحق، بل لإدارة المواقف بوعي،
وإدراك أن بعض المعارك، حتى لو ربحتها، قد تخسر فيها صورتك.
وقد عُرف عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أراد أن يتحدث في شأنٍ خاص، أطفأ سراج بيت المال، وأوقد سراجًا من ماله الخاص.
لم يكن ذلك خوفًا من الوقوع في الحرام، بل حرصًا على ألا تختلط الأمور، وألا تُفتح أبواب الشبهة.
إنها حساسية عالية تجاه “ما قد يُفهم”… لا فقط “ما هو صحيح”.
وفي عالم اليوم، تحوّلت هذه الحكمة إلى علمٍ يُدرّس ويُطبّق، تحت عنوان: حوكمة الشركات (Corporate Governance)، حيث لا تُبنى المؤسسات الناجحة على النوايا الحسنة فقط، بل على أنظمة واضحة تمنع الشك قبل أن تمنع الخطأ.
ومن أهم هذه القواعد:
١- الإفصاح (Disclosure)
٢- تجنب تضارب المصالح (Conflict of Interest)
٣- الشفافية (Transparency)
٤- المساءلة (Accountability)
بل إن هناك مبدأً محوريًا يقول:
تجنّب حتى ما قد يبدو أنه تصرّف غير سليم، وليس فقط ما هو خطأ صريح.
وتشير خبرات الإدارة الحديثة إلى أن النجاح لا يقوم على الكفاءة وحدها، بل على جودة العلاقات المبنية على الثقة.
غير أن هذه الثقة تُبنى عبر زمن طويل… وقد تُفقد في لحظة.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم، في مجتمعاتٍ تسعى للنهوض من جديد، ليس فقط الكفاءة في الإدارة، بل هذه الحساسية العالية تجاه الشبهة.
فمرحلة البناء لا تحتمل رماديةً في الثقة، ولا مساحاتٍ يُساء فهمها، لأن الناس التي تعبت طويلًا… تبحث عمّن تطمئن له قبل أن تبحث عمّن يُديرها.
في النهاية…
قد يكون من السهل أن تثبت أنك على حق، لكن الأصعب… أن تحافظ على صورتك دون خدش. وقد تنجح في كسب جدلٍ ما، لكن تخسر في أعين من لا يعرفون التفاصيل. لذلك، ليست الحكمة أن تنتصر دائمًا، بل أن تختار معاركك بعناية،
وأن تعيش بحيث لا تحتاج يومًا أن تبرّر نفسك. فبعض الخسارات الظاهرة…
هي في حقيقتها أعلى درجات الكسب.
زياد ريس
٢٦/٣/٢٠٢٦
دعم:
صحيح تماما، بارك الله فيك
وجود الثقة المتبادلة بين الأفراد والمؤسسات صمام أمان في زمن يتفاقم فيه التعقيد وتداخل الشبهات والإشاعات مع الحقائق !!
ويجب إضافة ما يمكن تسميته ب: *شجاعة التبين* الى هذا الحرص على ما يحفظ الثقة المتبادلة:
لأن الأخطاء والدسائس والإشاعات لن تتوقف في عالم يضج بالصراعات الشخصية والمذهبية والسياسية وغيرها...
ومن هنا ، فكل فرد وأسرة ومؤسسة تضع *شجاعة التبين، وحكمته* في سلم اولوياتها، تنجو ، وينجون من التلاعب والتدمير المنهجي والعشوائي معا الذي لا تكف مختلف الجهات عن ممارسته..
