استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

حَكَامَةُ البَاطِن: هَنْدَسَةُ الأَوْبَةِ وإِصْلَاحُ شَبَكَةِ المَفَاهِيمِ الحَضَارِيَّة

 
تمهيد: الأقْوَمُ ظاهراً هو الصالحُ باطناً

ننتقلُ اليوم في سورة الإسراء من هندسة الزمان إلى هندسة القِيَم الميدانية؛ لِنكتشف أنَّ كُلَّ الأوامر السيادية (من بِرِّ الوالدين إلى إيفاء الكيل) مَحكومةٌ بوحدة رقابة مركزية تَسكنُ في الصدور. إنَّ النهضةَ لَيْست مجرد انضباطٍ خارجي بعالم الأشياء، بل هي طهارةٌ لمُختبر التحويل القلبي. نكتشفُ هنا أنَّ الأقْوَمية حالةٌ ديناميكية تَقومُ على إمكانيةِ إصلاح شبكة المفاهيم باستمرار؛ فالمصلحُ الناهضُ لَيْس مَن لا يَزلُّ، بل هو الأوَّابُ الذي يَمْتلكُ شجاعةَ الترجيع الدوري لِنَفْسِهِ نحو الفطرة كُلما شذَّ غصنٌ من أغصانِ سَعْيِه عن صراطِ القيّوم.

1. الآية العمود: رادارُ الرقابةِ الائتمانية

تنتصبُ الآية (25) كعُقدةٍ مَركزية تُعايرُ صِدقَ الانتماء لِلمنهج: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. إنها الإقليدُ الذي يمنع تزييف النهضة؛ فهي تَنقلنا من مَقام الادعاء إلى مَقام الإخلاص. وبحسب الزمخشري، فإنَّ الصلاحَ يَبدأُ من الضمير، حيث يقول: «{بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} بما في ضمائركم من قصد البر.. {إِن تَكُونُواْ صالحين} قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، هنة تؤدّي إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور {لِلأَوَّابِينَ}».

 2. مِعمارُ الصَّلاحِ والأَوْبَةِ في عيون المفسرين

أولاً: الأوبةُ كَصيانةٍ دوريةٍ لِلفطرة(البقاعي):

يُشرح البقاعي ديناميكية الإصلاح المستمر بقوله: «لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد فرة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه.. والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليه الدليل». فالنهضةُ عِنْد البقاعي هي قُدرة الترجيع لِلمسارِ الأقوم كُلما مالتِ النفوسُ نَحْو الأغيار.

ثانياً: عِلاجُ آفاتِ الشبكةِ والاستثقال (الإمام أطفيش):

يُحذر أطفيش من الأمراضِ المَخفية التي تَنخر في عُقدِ النظام: «فقد تتوهمون أنكم بارون.. وليس كذلك، بل قد قصرتم أو ملتم إلى كراهتهما، واستثقالهما، ولم تعالجوا أنفسكم عن ذلك.. والآية وعد للموفي بحقهما، ووعيد وتهديد لمن قصر أو اضمر لهما ما يكرهان». فالناهضُ هو مَن يُعالجُ مشاعر الاستثقال لِلمنهج لِيَظلَّ فِعلُه رَّحيماً وخفيفاً.

ثالثاً: التلحيمُ المَنظومي بَيْنَ العقيدةِ والحركة (الشهيد سيد قطب):

يَختم سيد قطب هذا المِعمار بـرَبْطِ الحركاتِ بالبواطن: «ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق، فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال وما دام القلب صالحاً، فإن باب المغفرة مفتوح. والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين».

3. هندسةُ التصحيح: كَيْف نُرممُ شَبكةَ المَفاهيم؟

إنَّ الناهض يدركُ أنَّ عُقدة النظام تَقوى بـتفعيل قُدرة التأثير على الباطن؛ وبمنطق ابن الحاج الفاسي في تحسين النيات، فإنَّ الفِعلَ الخارجي لَيْس إلا مِرآة لِجودة البناء الداخلي. إنَّ الأمةَ تَدخلُ مَقامَ التفريط عِنْدما تَتجاهل الأغصان الشاذة في سُلوكها؛ أما النهضةُ فَهي أَوْبَةٌ مَوصولة تَقومُ على المُراجعةِ الدائمة في كل طبقة: تبدأ بتصحيح المفاهيم المغلوطة، ثم تصعد إلى تقويم النيات المعوجة، ثم تنتهي إلى محاسبة الأفعال الظاهرة. فكُلما لوَّثَ عالمُ الأشياء نَقاءَ المفهوم، أَعادَهُ الأوَّابُ بـالتوبة إلى مِشكاةِ عالم الأفكار.

الخاتمة:

النهضةُ هي رِّحلةُ الانتقال من رَمَدِ الادعاء إلى صِحَّةِ الإذعان. لا تظن أنَّ القسطاس المستقيم يَقومُ في السوقِ وهو مَكسورٌ في النَّفْس؛ بل ابدأ بـاعتقال قَصْدِ الصلاحِ في صَدْرِك لِيَستقيمَ لك الميزانُ في يَدِك. فكن من الأوَّابين الذين يُرَمِّمون نياتِهم بـالغداةِ والعشي؛ فبقدرِ صِدقِ تَرْجيعِك — في مفاهيمك قبل نواياك، وفي نواياك قبل أفعالك — إلى بصيرة الأقْوَم، يَمْنَحُك القيّوم سُلطانَ التمكينِ وحَلاوةَ الحَياةِ الطيبة.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.