ينطلق علم الاجتماع من حقيقة بسيطة وعميقة:
الإنسان كائن اجتماعي، وهو ابن بيئته.
لكن السؤال الجوهري هو: من يصنع هذه البيئة؟ وما علاقتها بالقائد؟
الحقيقة أن كلنا نمارس السلطة، بوعي أو بدونه:
في البيت، في المسجد، في المدرسة، في المؤسسة، وصولًا إلى قمة هرم الدولة.
ومنذ أن حُمّل الإنسان الأمانة، أصبح مسؤولًا وصاحب سلطة، لا ليحتكرها، بل ليهندس بيئته.
فالسلطة ليست ملكًا شخصيًا،
والخبرة ليست رأسمالًا خاصًا،
والمعرفة لا تُكنز بل تُورَّث وتُؤسَّس لتنشأ سلسلة قادة تصنع المستقبل.
وحين تُبنى قيادة غير آمنة: للفكرة،وللسؤال،
وللخطأ،وللنقد،وللتجديد والإبداع…
يصمت المبدع، أو يهاجر، أو ينكسر، أو يُقصى.
وحينها لا نفقد فردًا واحدًا، بل نفقد سلسلة تاريخية كاملة كان يمكن أن تُحدث الفرق.
وفي اليمن، يتجلى هذا الخلل بوضوح موجع.
فالمشكلة لم تكن يومًا فقرًا في الطاقات أو شحًا في العقول،
بل غيابًا لبيئات حاضنة تصنع القادة وتراكم الخبرة.
على مدى عقود، جرى التعامل مع القيادة بوصفها امتيازًا شخصيًا لا مسؤولية تاريخية،
فاحتُكرت السلطة، وجُمّدت الخبرات،
وأُعيد إنتاج الأخطاء بأسماء مختلفة،
فلم تتشكل قيادة وطنية متراكمة تتجه نحو رؤية وهدف.
وحين تُختزل القيادة في قمة معزولة،
ينقطع الاتصال بين الأجيال،
وتنهار فكرة التراكم الحضاري،
وكل قائد يعلن القطيعة،
وكل جيل يبدأ من الصفر،
وكل خبرة تُدفن مع صاحبها.
القيادة الحقيقية لا تحرس الكرسي،
بل تحرس المعنى،
حتى لو تغيّر الاسم وانتقل الموقع.
القائد الذكي يزول،
أما القائد الحكيم فيبقى أثره،
ويستمر منطقه،
وتعيش أفكاره في الأجيال من بعده.
لقد كان استبدادنا أعمق من السياسة؛
كان تربويًا وثقافيًا وإداريًا،
ولا يفسد هذا النوع من الاستبداد
إلا من يمتلك الشجاعة لتفكيكه حتى يفسد..
ولو لم نسلّم سلطتنا للاستبداد،
لكان بالإمكان تجنب كثير من خساراتنا وخيباتنا.
لكننا دفعنا ثمن" الأنا القيادية"
أكثر مما دفعناه أمام أي عدو خارجي.
فالقيادة، في جوهرها،
هي مسؤولية هندسة بيئات تُنضّج من هو أصلح وأنفع،
ليقود الطريق من بعدها.
ومن لا يفعل ذلك،
فهو لا يفشل فقط…
بل يعطّل التاريخ ويصادر المستقبل.
✍🏻 أوسان محمد
