استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

بوصلة الأسماء: من إلحاد الغفلة إلى تخلق الناهضين (قراءة في هندسة الوعي وتفعيل الأسماء الحسنى)


في هذا المقطع الدقيق من سورة الأعراف، ينقلنا القرآن من قاع التعطيل ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾، حيث تعطلت الحواس عن وظيفتها، إلى قمة الوعي ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾. إن الارتقاء من رتبة الكائنات البيولوجية الغافلة إلى رتبة الإنسان المستخلف لا يكون إلا بتفعيل أدوات المعرفة لإدراك أسماء الله والعمل بها. هذا المقال يقرأ في معنى الإلحاد كانحراف عن القصد، وكيف يواجه الناهض هذا الانحراف بـ استراتيجية التخلق.

الآية العمود: الميزان المعرفي.. ولله الأسماء الحسنى

إن الآية التي تمثل المعيار الذي يقاس عليه الحق والباطل هي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (180).
يؤكد العلامة ابن عاشور رحمه الله أن كمال الألوهية يتجلى في كمال الأسماء، وأنها ﴿حُسْنَىٰ﴾ بذاتها لا بمقاييس البشر، فيقول:
*«وليس المراد بالحسن الملاءمةَ لجميع الناس... فلذلك فالحسنُ صفة ذاتية للشيء الحسن... وكان اتصاف الخالق بها منشأ صلاح، لأنها مصدر العدالة والجزاء القسطِ»*.
فمعرفة الله ليست ترفاً، بل هي المنصة التي ينطلق منها الإنسان لفهم الكون ونفسه؛ فالله هو المركز وأسماؤه هي قوانين الوجود.

تشريح الإلحاد: الميل عن القصد

في المقابل، يظهر الإلحاد. وهو ليس مجرد إنكار، بل هو انحراف.
ويحرر الراغب الأصفهاني هذا المعنى لغوياً، فيقول: *«الإلحاد: الميل عن وسط الشيء إلى جانبه... استتبع ذلك تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بالإلحاد»*.
فالملحد مائل عن الجادة. ويأتي سيد قطب رحمه الله ليسقط هذا المعنى على الواقع المعاصر، كاشفاً عن علمنة الألوهية كصورة من صور الإلحاد في الأسماء، فيقول:
*«وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء... ولكنه ليس إلهاً في الأرض، ولا في حياة الناس، فليس له -في زعمهم- أن يشرع لحياة الناس... وكله إلحاد في الله وصفاته»*.
فالناهض يدرك أن فصل الدين عن الحياة، وحصر الله في المعابد، هو إلحاد في أسماء (الملك، والحكم، والوالي).

استراتيجية التعامل: وذروا

كيف نتعامل مع هذا الانحراف؟ الأمر الإلهي واضح: ﴿وَذَرُوا﴾.
ويفسر ابن عاشور هذه الاستراتيجية بأنها: *«الإمساكُ عن الاسترسال في محاجتهم لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق... أي اتركوهم ولا تُغلّبوا أنفسكم في مجادلتهم»*.
الجدال مع المكابرين استنزاف للطاقة. الناهض لا ينجر لمعارك جانبية، بل يتركهم لسنن الجزاء ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾، وينشغل هو بالبناء.

التفعيل الحضاري: فادعوه بها

البناء الحقيقي يكمن في الشطر الأول: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وهنا ينقلنا صاحب تفسير الأمثل إلى الذروة، مبيناً أن الدعاء ليس تحريك اللسان فحسب، بل هو تخلق، فيقول:
*«فالمراد من دعاء الله بأسمائه الحسنى، ليس هو ذكر هذه الألفاظ وجريانها على اللسان فحسب... بل ينبغي أن نتمثّلَ هذه الصفات في وجودنا... وأن يشع إشراق من علمه وشعاع من قدرته وجانب من رحمته الواسعة فينا وفي مجتمعنا»*.
هذا هو التفعيل الحضاري للأسماء. أن تدعو (العدل) يعني أن تقيم العدل في مجتمعك. أن تدعو (الرحيم) يعني أن تشع بالرحمة فيمن حولك. بهذا التجسيد للأسماء تخرج الأمة من ظلام الغفلة إلى نور الولاية.

الخاتمة: انظروا في الملكوت

طريق العودة يبدأ بـ إعادة تشغيل أجهزة الرصد ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ لرؤية آثار الأسماء في الكون، ثم تمثلها في السلوك، لتكون عبداً ربانياً لا كائناً غافلاً.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.



دعم:

نعم الفقه في كتاب الله  تعالى
مقال ركن في نقل مفهوم الدعاء من :

الترديد الى التفعيل والتمثل
وبيان مصدر التفعيل:

رصد مصاديق الأسماء الحسنى عبر النظر في ملكوت السماوات والأرض!!
ففي كل عصر، بل في كل يوم تتكشف آفاق جديدة من مباهج الملكوت، ومن سنن الأنفس والمجتمعات، فتظل مصاديق الأسماء الحسنى مشرقة ناصعة بغير تكرار !!
فكأن تجديد السير في الأرض وتعميق وسائل الرصد هي ذات الذكر وذات الدعاء بها!!
ومع كل توجه بهكذا ذكر ودعاء تتضح مسارات السنن في دوراتها، ومبررات القيم ومستلزمات تفعيلها في النفس والمجتمع والعلاقات...

شكر الله لأستاذنا حسان الحميني هذا الجهد وبارك له هذا الفتح

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.