في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتُتداول فيه الوقائع بضغطة زر، بات كثير من الناس ناقلين قبل أن يكونوا متثبتين، ومعلّقين قبل أن يكونوا متأملين. لا يكاد خبر يظهر حتى ينتشر، ولا زلّة تُروى إلا وتتحول إلى مادة للتداول، وكأن نقل الخبر صار فضيلة بحد ذاته، بصرف النظر عن أثره أو ضرورته.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن دائمًا في صحة الخبر أو كذبه، بل في سؤالٍ أكثر عمقًا:
هل كان ينبغي أصلًا نقل هذا الخبر؟
يلفتنا القرآن الكريم إلى مفهوم بالغ الدقة حين يقول تعالى:
﴿لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقد أشار الدكتور معتز الخطيب إلى لفتة عميقة في هذه الآية؛ فالقاذف قد يكون صادقًا في ما رأى، لكن عجزه عن الإتيان بالإجراءات المطلوبة يجعله — عند الله — كاذبًا، لا لأن الواقعة لم تحدث، بل لأن قيمة أعلى قُدّمت على مجرد نقل الواقع، وهي قيمة الستر.
وهنا يتجاوز القرآن تعريف الصدق والكذب بوصفهما مجرد مطابقة للواقع، ليضعهما في إطارٍ أخلاقي وتشريعي أوسع، يحفظ المجتمع من الانزلاق إلى ثقافة الفضيحة، ويمنع تحويل الأخطاء الفردية إلى شأنٍ عام.
فليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال يُنشر. نقل أخطاء الأفراد، حتى لو ثبتت صحتها، لا يدخل في باب الإصلاح، ما لم يكن في السكوت عنها ضرر عام أو مفسدة متعدية لا تُرفع إلا بالإشهار المنضبط وعبر القنوات المختصة. أما ما سوى ذلك، فالأصل فيه الستر، لا التداول، والإصلاح، لا التشهير.
المقلق اليوم أن بعض الناس باتوا ينقلون الأخبار لا بدافع النصح، بل بدافع الفضول أو تحقيق الانتشار وكسب المتابعين، فيُختزل الإنسان إلى “خبر”، وتتحول الزلّة إلى “محتوى”، وتُغفل الآثار العميقة التي قد لا تُجبر لاحقًا.
إن المجتمعات لا تتضرر بالكذب وحده، بل قد تتضرر أيضًا بصدقٍ بلا حكمة، وبحقيقةٍ تُقال في غير موضعها. لذلك نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذا الميزان الدقيق:
أن يكون الكلام مسؤولًا، والنقل منضبطًا، وأن يبقى الستر أصلًا، ما لم يفرض الواجب العام خلاف ذلك
زياد ريس
٧/٢/٢٠٢٦
دعم:
كلام سليم بارك الله فيك أستاذ زياد..
ويمكن تعزيز هذا المفهوم الإجتماعي-القرآني:( أولوية الستر على الحادثة الجزئية)، يمكن تعزيزه بمفهوم *التبين*: بتشديد الياء ورفعها:
**فالتبين، مفهوم علمي(تجريبي-عقلي):
(...وانظر الى العظام *كيف* ننشزها ثم نكسوها لحما، فلما *تبين*له، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير)
أي أن التبين، ينتج عنه العلم بالضرورة!!
لا الظن
ولا الوهم
ولا تقطع الإحتمالات!!
وانظر إلى كيفية نقل الخطاب القرآني لهذا المعيار العلمي من المجال التجريبي المؤكد الى المجال الإنساني والإجتماعي:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ **فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات/٦
والتبين، يتطلب إجراءات وتحقيقات ومواجهات
للواقع
لكل أطراف الدعوى(النبأ أو الحادثة)
وهذا علاج للإنفلات والتلاعب (كما هو حاصل في عصرنا) من دون تمييز بين قوم وقوم !!
كأنما هو إعلان مسبق من رسالة الإسلام، لوقاية عالمنا من فوضى الإشاعات و الاخبار ..
وكل ذلك يحفظ المجال الإنساني من الغمر المتضاعف بالمحتويات التي تستنزف الوظيفة الإستخلافية والعمرانية..
والخلاصة:
تتطلب النهضة حزما داخليا للفرد في الصد المنهجي لكل ما يشتت الذهن ويقطع أواصر التعاون والإستدامة..
وحزما خارجيا: في عدم العجز عن شجاعة التبين إذا ما إنتشرت أنباء تعرقل مسار النهوض
