استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

غزّة بين عدل الله ووحشية الإنسان: قراءة سننية في الابتلاء والاختيار ونظام القوة


          ليست مأساة غزّة حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا نشرةَ أخبارٍ تُطوى بانتهاء يومها، بل هي جرحٌ مفتوح في ضمير الإنسانية، وسؤالٌ ملحٌّ يُطرق بعنف على أبواب العقيدة والفكر:
أين الله من دماء الأطفال؟
وكيف يُفهم عدلُ الخالق مع هذا السيل الجارف من القتل والتدمير والإبادة؟

         غير أن هذا السؤال – على شدّته – لا يجوز أن يُتناول بانفعالٍ عاطفيٍّ مجرّد، ولا بردودٍ تبسيطيةٍ قاصرة، بل يحتاج إلى قراءةٍ واعيةٍ تستحضر سنن الله في الكون، وحقيقة الابتلاء، ومعنى الاختيار، ومنطق الأسباب والنتائج.

           ومن هنا تأتي هذه المحاولة؛ لا لتبرير الظلم – وحاشا – بل لفهم موقعه في هذا العالم، ومسؤولية الإنسان عنه، ودور الأمة في مواجهته.


الإنسان بين الاختيار والابتلاء

          أراد الله للإنسان أن يكون كائنًا مسؤولًا، لا أداةً مسيَّرة، ولا آلةً مبرمجة على الخير القسري.
       فمنحه العقل، وعرّفه الحق والباطل، وأطلق له مساحة الاختيار، ثم أخبره أن هذه الحياة دار امتحان.
        ولو شاء الله لمنع الظالم من ظلمه قهرًا، ولأمسك يد القاتل قبل أن تمتد، لكن حينها ينتفي معنى الامتحان، وتسقط قيمة المسؤولية، ويغدو الإنسان بلا تميّز أخلاقي.
      إن الفضيلة لا تُقاس إلا بوجود الرذيلة الممكنة،
ولا يكون للعدل معنى إلا مع القدرة على الظلم،
ولا تُعرف الرحمة إلا في عالمٍ يمكن أن تسوده القسوة.
      وما يجري في غزّة اليوم ليس خروجًا عن علم الله ولا عن قدرته، لكنه انكشافٌ صارخ لسقوط الإنسان حين يستخدم اختياره ضد فطرته، وضد ما علمه الله من قيم.


غزّة امتحان شامل لا استثناء فيه

          غزّة ليست امتحانًا للقاتل وحده، بل هي محكٌّ أخلاقيٌّ للعالم بأسره.
هي امتحان:
للظالم هل يتمادى في طغيانه؟
وللمظلوم هل يصبر ويثبت دون أن يفقد إنسانيته؟
وللقادر هل ينصر أم يلوذ بالمصالح؟
وللمتفرّج هل يصمت أم يشهد بالحق؟
فمن سعى  بقدر استطاعته لرفع الظلم، أو نصرة المقهورين، أو كسر حاجز الصمت، فقد نجح في ابتلائه.
وأما من آثر الحياد الزائف، أو مارس الشماتة، أو برّر الجريمة، فهو شريكٌ أخلاقيٌّ في المأساة، وإن لم يحمل سلاحًا.
إن الدم لا يُدان فقط بمن سفكه، بل كذلك بمن برّره أو صمت عنه أو اعتاد رؤيته.


سنن الله لا تحابي أحدًا القوة نموذجًا

           يحكم الله هذا العالم بنظامٍ دقيق، لا بالفوضى ولا بالاستثناءات الدائمة.
كما جعل الإنجاب مرتبطًا بأسبابه، والزرع مشروطًا بمقدماته، جعل الدفع والدفاع مرتبطين بالقوة.
القوة في ذاتها ليست شرًا، لكنها أمانة:
تحمي إن استُخدمت بالعدل،
وتدمّر إن استُعملت بالظلم.

وقد أُمِرت الأمة صراحةً بإعداد القوة، لا انتظار الخوارق.
غير أن الواقع المؤلم أن المسلمين  عبر مراحل طويلة  اختاروا الخروج من معادلة القوة، والارتهان لغيرهم، والاكتفاء بالدعاء المجرد عن العمل.
فإذا تُرك ميزان القوة بيد من لا يعرف الرحمة، فلا يُستغرب أن يُسحق الضعفاء، لا لأن الله تخلى عنهم، بل لأنهم كأمة لم يأخذوا بأسباب سننه.
وهذا الفهم لا يمنح الظالم أي شرعية؛ فحسابه آتٍ لا محالة، لكنه يرفع الالتباس عن عدل الله، ويعيد توجيه السؤال إلى مسؤولية الإنسان.


الدعاء في منظومة السنن

           قد يُظن أن الإيمان بالاختيار والسنن يُضعف قيمة الدعاء، والحقيقة عكس ذلك.
فالله منح الإنسان حرية الأخذ بالأسباب، لكنه لم يمنحه ضمان النتائج.
قد تعمل ولا تُوفَّق،
وتُحسن ولا ترى ثمرة عاجلة،
وتزرع ولا تحصد.
وهنا يأتي الدعاء لا ليُعطّل النظام، بل ليُثمِره،
ولا ليُلغي السنن، بل ليُبارك فيها.
أما الدعاء الذي يتجاهل الأسباب، فهو لونٌ من الوهم،
كما أن العمل بلا توكّل ضربٌ من الغرور.


 غزّة ليست سؤالًا عن الله بل عنّا

          غزّة لا تُحرج عدل الله،
بل تُعرّي وحشية الإنسان،
وتفضح هشاشة القيم حين تنفصل عن القوة، وسذاجة التدين حين ينفصل عن السنن.

وأطفال غزّة  وهم يرحلون تحت الركام  ليسوا ضحايا امتحان غيرهم فحسب، بل شهود إدانة على عالمٍ رأى الجريمة مكتملة الأركان، ثم اختار الصمت.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾


ابو خالد

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.