تتغيّر فينا الأمكنة،
والأحداث،
والمشاريع،
والأدوار…
لكن السؤال الذي يرافق الإنسان في كل المراحل هو:
ما الذي يبقى معنا حين تختلط النوايا، وتتعدد الشعارات، وتتشابه الطرق؟
بوصلة العمر؛
تلك التي لا تخون صاحبها حين تضطرب المسارات،
ولا تتبدل بتبدّل المصالح،
وتظل دليلنا إلى الاتجاه الصحيح،
وطوق نجاتنا حين تتهاوى العواصف وتعلو الأمواج.
لبوصلة العمر أربعة أركان ثابتة:
الميزان:
هو عدل داخلي قبل أن يكون حكمًا خارجيًا،
أن نكيل لأنفسنا بما نكيل به لغيرنا،
وأن نحب لأخينا ما نحب لأنفسنا.
الصراط:
ليس ادعاءَ وصول،
بل اتجاهٌ يُطلب باستمرار،
وهداية تُسأل بتواضع لا بيقين زائف.
السلام:
سلام مع النفس،
ومع المختلف،
ومع الحياة؛
ولا سلام مع الظلم، لأنه ثمرة ميزان مختل .
المعنى:
هو ما يجعل الحياة مكتملة،
والعبادة حيّة،
والنضال نفيسًا،
والكون مقروءًا لا عبثيًا.
لكن هذه البوصلة،
تبقى معطّلة
إن لم تتصل بمحرّكها الحقيقي:
القلب السليم.
فالقلب السليم هو الذي يضبط الميزان فلا يطغى،
ويطلب الهداية فلا يتكبر،
ويصنع السلام بدل أن يزيفه،
ويحفظ المعنى وسط الضجيج.
وحين يتعطل هذا المحرّك،
يضيع الاتجاه،
ويتحول النضال إلى استنزاف للنفس لا تحرير لها،
وتصبح المشاريع بلا معنى،
والنهضة بلا إنسان،
وقد نصل بسرعة… لكن إلى المكان الخطأ.
حينها تتشوه القلوب، وتُحمَّل بالغل،
فينشأ تدينٌ شكلي،
ومجتمع يلتزم بالمظاهر بينما يتآكل أخلاقيًا من الداخل.
نمارس الطقوس بلا ميزان،
ونتحمس بلا معنى،
ويشتغل الخطاب الديني على السطح،
فيعلّمنا كيف نطهّر الجسد،
وينسى أن يبدأ بتطهير القلب من الكبر والحسد والحقد والتسلّط:
«إلا من أتى الله بقلبٍ سليم».
إن سلامة القلب ليست فضيلة أخلاقية فقط،
بل شرط تاريخي لإقامة العدل.
فميزان الحق والباطل لا يُقام في الأرض
قبل أن يُقام في النفوس.
وهذه الفلسفة لا تسمح بالتبرير،
ولا تترك للفرد مهربًا خلف الظروف أو الزمن الصعب؛
فمن لم يصلح قلبه،
لن يصلح ما بعده،
ومن بحث عن الميزان،
لن يضل الطريق.
نحن بحاجة إلى قلبٍ سليم
يحركنا للمقاومة دون تشوّه،
وللعمل دون استعلاء أو انتظار تصفيق،
وللاختلاف دون تدمير.
قلبٍ ينقلنا من فقه الجسد إلى فقه القلب،
ومن مراقبة الناس إلى محاسبة النفس،
ومن إطلاق الأحكام إلى إقامة الميزان.
إن كل خطاب،
أو إعلام،
أو محتوى تربوي،
لا يمر عبر بوابة تزكية القلب،
سيظل يدور في حلقة مفرغة؛
فلن يقوم العدل،
ولا تُبنى الدولة،
ولا تنهض الأمة،
إلا بعد كسر هذه الحلقة
والعبور بسلام.
أخيرًا:
لا يُنقذنا ضجيج المشاريع،
بل بوصلةُ قلبٍ سليمٍ لم يختلّ ميزانه؛
فنهضةُ الأمم تبدأ من قلبٍ واحدٍ سليم،
لا من مشروعٍ ضخمٍ بقلبٍ مريض.
أوسان محمد
سلمت، وسلم قلبك..
صدقت !!
القلب هو محطة الوصول،، والإنطلاق !!
محرك السعي: نية وإصرارا وتخطيطا...
و،، مبتغاه!!
هو الذي يحكم على الحركة وعلى الإتجاه معا..
ومن تم، فهو ذاته ما ترقبه السنن!!
وهو الذي ترد عليه، في نهاية المطاف!!
أي بعد غربلة المواد..والجهود الظاهرية..والصخب المعلن...وكل الضوضاء اليومي من شعارات وادعاءات ولغو!!
ومثله، من أموال ودماء ومداد وموارد ما لم تحكم خطتها القلوب التي في الصدور!!
حين تسلم، تسلم لها السنن المفاتيح!!
ويبزغ الفتح ألمبين!!
(...ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا )!!
لم !!!؟؟
(رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا)!!؟؟
(قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى)
يلتفت الجاحد فيقول:
" ألم يقل بأنه كان بصيرا في الدنيا!!؟؟
فكيف جعله أعمى في الدنيا أيضا!!؟؟
(ومن كان في هذه أعمى!!)؟؟
يرد القرآن:
(...إنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)!!
ولعل الصلاة تبصرة وذكرى آناء الليل وأطراف النهار
اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
* * * *
أردت التركيز على هذه البصيرة من أهل اليمن، لأن أمور النهضة كثيرا ما ننصرف فيها الى الواقع والتاريخ والتدافع الخارجي ...ناسين أن العدو الأكبر مختف داخلنا !!
القلب غير السليم!!
فربطه بالصلاة مفتاح الفلاح
ألف شكر
