تتعرض حياة الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، لسلسلة متواصلة من المشكلات والمصائب، فلا تكاد تخلو مرحلة من مراحل العمر من نوع من الابتلاء أو الامتحان. وهذه الحقيقة ليست استثناءً، بل هي قانون عام يحكم الوجود الإنساني. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن للإنسان أن يواجه هذه الأزمات دون أن يقع فريسة للضغط النفسي والانهيار الداخلي؟
إن الجواب العميق والمتوازن عن هذا السؤال نجده في كتاب الله تعالى، حيث يقول سبحانه:
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ۔
(البقرة: 155–156)
تقرر هذه الآية الكريمة حقيقة كبرى، وهي أن المصائب ليست طارئة على الحياة، بل هي جزء من بنيتها التكوينية، وأن الغاية منها ليست الإهلاك أو الإضرار، وإنما الابتلاء والتربية والتمحيص.
السبب الحقيقي للضغط النفسي
إن الإنسان لا يقع في التوتر النفسي بسبب المصيبة ذاتها، وإنما بسبب تفسيره الخاطئ لها. فهو يتعامل معها بوصفها أمرًا شاذًا لا ينبغي أن يقع، أو ظلمًا لا مبرر له. أما إذا أدرك أن ما حدث قد جرى وفق قانون الفطرة وسنة الله في خلقه، فإن حدّة التوتر تخفّ، بل قد تزول تمامًا.
فالإنسان – على سبيل المثال – لا يصاب بالضغط النفسي عند هبوب العاصفة أو نزول المطر الغزير، مع ما يسببه ذلك من مشكلات، لأنه يدرك أن ذلك ظاهرة طبيعية تخضع لقانون كوني. فيواجهها بهدوء، ويتعامل معها بعقلانية.
وكذلك ينبغي أن يكون موقفه من مصائب الحياة؛ فهي أيضًا جزء من النظام الإلهي، وليست خللًا في مسار الوجود.
إن ما يراه الإنسان مشقة أو بلاءً، قد يكون في حقيقته رحمة مقنّعة، ونعمة في ثوب محنة. فالمصائب تؤدي دورًا تربويًا عميقًا؛ إنها توقظ العقل، وتُنمّي الوعي، وتصقل التجربة، وتمنح الإنسان نضجًا لا يمكن أن يناله في أوقات الرخاء.
ومن هنا فإن القرآن لا يدعو إلى إنكار الألم، بل إلى إعادة تفسيره ضمن رؤية إيمانية واقعية.
عند نزول البلاء، لا يملك الإنسان إلا أحد طريقين:
طريق الصبر: وهو ردّ الفعل الإيجابي الواعي، الذي يقوم على القبول، والتوازن، وحسن الظن بالله.
طريق الجزع وعدم الصبر: وهو ردّ الفعل السلبي، القائم على السخط والاعتراض والانفعال.
والفرق بين الطريقين أن الضغط النفسي هو ثمرة طبيعية لعدم الصبر، بينما الصبر الحقيقي يحمي الإنسان من الانهيار الداخلي، ويمنحه قوة نفسية هادئة وثابتة.
إن الإنسان خاضع منذ ولادته إلى وفاته لقانون الله وسننه الكونية. وليس من الواقعية في شيء أن يتوقع حياة خالية من الابتلاء. إن المنهج الواقعي يقتضي أن يتعامل مع الأزمات باعتبارها جزءًا من مسيرته، وأن يقبلها بروح متوازنة، بل وأن ينظر إليها على أنها خير كامن قد لا يُدرك في لحظته.
لقد عبّرت الآية الكريمة عن المصائب بلفظ الابتلاء، أي الاختبار. وهذا الاختبار ليس عبثًا، بل غايته تربية الإنسان وسط الحوادث ليكون أعمق وعيًا، وأقوى إرادة، وأكمل شخصية.
فالحوادث:
توقظ العقل،
وتنضج التفكير،
وتقوّي الإرادة،
وتحرك الطاقات الكامنة،
وتعمل كمحرّك يدفع الإنسان إلى الأمام.
ولولا الحوادث لبقي الإنسان ناقص التكوين،
سطحي التجربة،
محدود الرؤية.
إن المواجهة الصحيحة للمصائب لا تكون بقمع المشاعر أو تعطيل العقل. فكثير من الناس يلجؤون إلى وسائل هروب مؤقتة، مثل:
التدخين أو الخمر،
أو بعض التمارين التي تهدف إلى تعطيل التفكير،
أو الهروب من الواقع،
أو ممارسات تأملية تؤدي إلى حالة من التخدير الذهني (Intellectual Anaesthesia).
وجميع هذه الأساليب مخالفة للفطرة، وكل ما كان مخالفًا للفطرة لا يمكن أن يكون علاجًا حقيقيًا، بل هو تأجيل للأزمة لا حلّ لها.
الخلاصة
إن المنهج القرآني في إدارة الضغوط النفسية يقوم على:
الفهم الصحيح لطبيعة الحياة،
والإيمان بسنة الابتلاء،
واعتماد الصبر الإيجابي،
والنظر إلى المصائب بوصفها أدوات بناء لا عوامل هدم.
وبذلك يتحول الضغط النفسي من عبء خانق إلى وسيلة ارتقاء، ومن معاناة مدمّرة إلى طاقة بنّاءة، ويخرج الإنسان من المحنة أكثر وعيًا، وأقوى إيمانًا، وأكمل إنسانية.
ابو خالد
