في هذا المقطع الدقيق من سورة الأعراف، يضعنا القرآن في مختبر الاختبار. إنه يعرض لنا نموذجين للفشل: نموذج أصحاب السبت الذين تحايلوا على الشريعة، ونموذج الخَلْف الذين ورثوا الكتاب وتاهوا في الأماني ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. وفي المقابل، يقدم النموذج الناجي الوحيد: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾. هذا المقال يقرأ في معنى التمسيك كحالة من الجدية الصارمة في زمن السيولة، وكيف يتحول الدين من طقوس معزولة إلى حاكم للحياة.
الآية العمود: دستور المصلحين.. والذين يمسكون
إن الآية التي تمثل طوق النجاة هي قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اَ۬لْمُصْلِحِينَۖ﴾ (170).
التمسيك ليس مجرد حفظ، بل هو قبض بقوة.
ويشرح سيد قطب رحمه الله هذا المعنى الحركي بنص وافٍ يقول فيه:
*«إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة... فالجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون "الواقع" هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله»*.
فالمصلح يرفض أن يخضع النص لأهواء الواقع (كما فعل اليهود)، بل يصر على أن يحكم الكتابُ الواقعَ، بعيداً عن ميوعة التنازلات.
جناحا الإصلاح: علم وعمل
الإصلاح لا يقوم إلا بركنين: ﴿التمسك بِالْكِتَابِ وَإقَامُة الصَّلَاةَ﴾.
ويوضح الشيخ السعدي رحمه الله هذا التكامل بعبارة جامعة:
*«يتمسكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار... ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات: إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً... وكونها ميزان الإيمان... دلت على أن الله بعث رسله بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار»*.
الكتاب (الدستور) يضبط القوانين والمعاملات بالعلم والعمل، والصلاة (المحراب) تضبط الضمير وتزن الإيمان. فإذا حضر الدستور وغاب الضمير، نشأت الحيل (يصطادون ولا يصطادون!).
عقدة الزكروم(القفل بالعامية المغربية): حين يُسجن الدين في المسجد
مشكلة الخَلْف أنهم ورثوا الكتاب لكنهم عزلوه عن الحياة، وأخذوا عَرَضَ هذا الأدنى.
وهنا نستحضر تلك اللفتة الذكية للفنان الشعبي مسرور المراكشي حين وصف واقعنا المتناقض قائلاً: *«نحن نكون مع (المعقول) في المسجد، فإذا خرجنا سجنّاه داخل الجامع، وأحكمنا (الزكروم/القفل) عليه»*.
هذا الوصف هو التجسيد الدقيق لنقيض الآية. فالتمسيك يعني أن تمسك بالكتاب في المسجد، وتخرج به إلى السوق والإدارة، وتكسر القفل الذي يعزل الدين عن توجيه الحياة.
مقاومة التيار: الإصلاح سباحة ضد السيولة
لماذا جاء اللفظ مشدداً ﴿يُمَسِّكُونَ﴾؟
يجيب البقاعي رحمه الله كاشفاً سر هذه الصيغة:
*«أي يمسكون إمساكاً شديداً يتجدد على كل وجه الاستمرار... إشارة إلى أن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد»*.
حين يعم الفساد، ويصبح أخذ العرض الأدنى ثقافة سائدة، يصبح المصلح قابضاً على الجمر. التمسيك هنا هو فعل مقاومة مستمر وشديد ضد تيار جارف من الميوعة.
الخاتمة: صفقة العمر
قد يقول المثبطون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟
فيرد القرآن: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
ويقسم القشيري الأجر إلى قسمين، فيقول:
*«يمسكون بالكتاب إيماناً، وأقاموا الصلاة إحساناً... فالأَمانُ مُعَجَّل والرضوان مؤجل... مَنْ أَمَّلَ سببَ إنعامنا لم تَخْسِرْ له صفقة»*.
المصلح لا يخسر أبداً؛ فهو يربح أمان المنهج في الدنيا، و جنة الرضوان في الآخرة.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
