استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

الإعجاز الطبي في سورة الكهف من القرآن



           مما لا يخفى على احد أن الله سبحانه و تعالى أنزل القرآن كتابًا جامعًا لوجوه الكمال، متفردًا بخصائص العظمة، متضمنًا من دلائل الصدق والبراهين ما تقوم به الحجة على الإنس والجن إلى قيام الساعة. فالقرآن الكريم كما أنه كتاب هدايةٍ ، و مصدر تشريعٍ وأخلاقٍ ، هو — مع ذلك — معجزةٌ خالدة، اشتملت على ضروب الإعجاز كلها، وتنوّعت وجوهه بتنوّع العقول والأزمان.

            ففيه الإعجاز البياني الذي أعجز الفصحاء، وفيه الإعجاز التشريعي الذي أقام ميزان العدل، وفيه الإعجاز الغيبي الذي صدقته الوقائع، وفيه الإعجاز التربوي الذي صنع الإنسان، ثم فيه — إلى جانب ذلك — إشارات دقيقة إلى سنن الخلق، وأحوال الأجساد، ونواميس الكون، تأتي في أوجز لفظ، وأصدق عبارة، من غير اصطدام بحقيقة ثابتة، ولا تعارض مع علمٍ صحيح، مهما تقدم الزمان واتسعت المعرفة.

           وهذا اللون من الإعجاز ليس مقصوده تحويل القرآن إلى كتاب علومٍ تجريبية، ولا تحميل النص ما لا يحتمل، وإنما هو شاهد إحكام، ودليل صدق، وبرهان على أن هذا الكلام صادر عن علمٍ محيط، يضع اللفظة في موضعها، ويذكر حيث ينبغي الذكر، ويسكت حيث يكون السكوت أبلغ.

            والمقال هذا ضربٌ من هذا التدبر، ووقوفٌ عند لفتة قرآنية دقيقة في قصة أصحاب الكهف، تتصل بحفظ الأجساد، واختلاف طبائع الخلق، ودقة التعبير في بيان ما يحتاج إلى عناية متجددة، وما جُبل على الاكتفاء بسننه الفطرية، في صورةٍ بديعة تجمع بين الإيمان والعقل، وتكشف جانبًا من الإعجاز المتعلق بسنن الخلق والبدن، دون دعوى جزمٍ علميٍّ اصطلاحي، بل في إطار التدبر والاعتبار.

          فإن سورة الكهف لاتقصد بها حكاية تُروى، ولا قصة تاريخٍ تُسرد، وإنما هي خطابٌ للعقل والقلب معًا، تُلقي على القارئ مشاهدها لا ليقف عند ظاهرها، بل ليغوص في أعماقها. ومن تأمل أسلوب القرآن في هذه السورة أدرك أن كل لفظةٍ فيها موضوعة بميزان، وأن كل تفصيلٍ مقصود، وأن السكوت أحيانًا أبلغ من الذكر، كما أن الذكر في موضعه آيةٌ قائمة بذاتها.

              ومن أدقّ هذه اللفتات وألطفها ما ورد في وصف كلب أصحاب الكهف، إذ يقول الله تعالى بعد أن ذكر تقليب الفتية يمينًا وشمالًا: وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.

           وهنا يقف المتدبر طويلًا؛ لأن الآية لم تمرّ على الكلب مرورًا عابرًا، ولم تذكره لمجرد استكمال الصورة، بل قيّدته بهيئةٍ مخصوصة، ووضعٍ ثابت، وكأن هذا الثبات مقصود في ذاته، لا تابعًا لغيره. فالفتية يُقَلَّبون، والكلب يُثبَت. والفتية تُذكر لهم عناية متجددة بالفعل المضارع: نقلبهم، أما الكلب فذكره في صورة اسمية ساكنة: باسطٌ ذراعيه.

           وقبل ذلك، رسم القرآن بدقةٍ مذهلة صورة المكان الذي آوى إليه الفتية؛ شمسٌ تدخل ولا تصيب، وضوءٌ يحضر ولا يحرق، وهواءٌ يتجدد، وفجوةٌ تتسع للأجساد، فلا اختناق ولا عفن ولا فساد. وكل ذلك يوحي بأن المقصود ليس الحفظ الإعجازي المجرد، بل حفظٌ يجري وفق سننٍ خلقها الله، وأودعها في الكون، وسخّرها حيث شاء.

            ثم يأتي ذكر النوم الطويل، والرقود المديد، وهو حالٌ يعلم أهل الطب خطره على الأجساد البشرية، إذ إن بقاء الإنسان على هيئة واحدة زمنًا طويلًا يفضي إلى تلف الأنسجة وفساد البدن. فجاء البيان الإلهي واضحًا: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ.
وهو تقليبٌ رحيم، وتدبيرٌ حافظ، وعنايةٌ لا تنقطع.

            لكن المفاجأة أن هذا التقليب لم يشمل الكلب، مع أنه كان معهم في المكان نفسه، وفي المدة نفسها، وفي الظروف نفسها. ومع ذلك لم يقل القرآن: ونقلبهم وكلبهم، ولم يشر إلى حركةٍ له، بل أبقاه على حاله، باسطًا ذراعيه عند باب الكهف، كأنه حارسٌ لا ينام، أو جنديٌّ على ثغر، أو شاهدٌ صامت على عظمة الحفظ الإلهي.

            وهنا يظهر الفرق الدقيق بين طبيعة الإنسان وطبيعة الحيوان، وهو فرقٌ لم يصرّح به القرآن، لكنه أومأ إليه أصدق إيماءة، وترك للعقل أن يتأمل. فالإنسان ضعيف البنية، سريع التأثر بالثبات، رقيق الجلد، محدود القدرة على تحمل الضغط الطويل، أما بعض الحيوانات — ومنها الكلب — فقد جُبلت على خصائص جسدية مختلفة، تمكّنها من البقاء في أوضاعٍ ثابتة دون ما يلحق الإنسان من ضرر. وهذا من اختلاف الخلق، وتنوّع السنن، واتساع القدرة.

             وليس المقصود من هذا الوصف أن يجعل القرآن درسًا في الطب أو علم وظائف الأعضاء، وإنما أن يقرر حقيقةً أعمق: أن هذا الكلام صادر عن علمٍ محيط، لا يغفل صغيرة ولا كبيرة، ولا يذكر شيئًا إلا لحكمة. فلو كان هذا من كلام بشر، لمرّ ذكر الكلب إما مهملًا، أو جرى معه ما جرى مع الفتية من تقليب، لكن الإحكام القرآني اقتضى التفريق؛ لأن التفريق هنا هو عين الصدق.

             ثم إن في هيئة الكلب نفسها معنى آخر لا يقل عمقًا؛ فهو باسطٌ ذراعيه عند الوصيد، أي عند مدخل الكهف، في صورةٍ تبعث الهيبة، وتزرع الرهبة في نفس من يراه، حتى قال الله بعدها مباشرة: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا.
فكأن هذا الكلب كان جزءًا من نظام الحماية، لا بجسده فقط، بل بهيبته، وموضعه، ومنظره.

            وهنا تبرز رسالة أخرى، خفية لكنها بليغة: أن القرب من الصالحين شرف، وأن صحبة أهل الإيمان رفعة، حتى لو كان الصاحب كلبًا. فقد خُلّد ذكره في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة، لا لعملٍ تعبدي، ولا لإيمانٍ يعقله، بل لصحبته، ومكانه، واصطفافه مع أولياء الله.

           ومن الخطأ أن يُجعل هذا كله مجرد دعوى إعجازٍ علميٍّ بالمعنى الاصطلاحي الضيق؛ فالقرآن أعظم من أن يُحصر في ذلك. لكنه في الوقت نفسه لا يصادم حقيقة، ولا يناقض علمًا صحيحًا، بل يسبق الإشكال، ويغلق باب التناقض، ويضع اللفظة في موضعها بحيث يبقى النص صادقًا مهما تقدم العلم.

          ولهذا ختم الله هذا المشهد بقوله: ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ،
أي إن القضية أوسع من حفظ الأجساد، وأعمق من وصف المكان؛ إنها آية هداية، وعلامة صدق، ودعوة مفتوحة إلى التدبر.

           وما أعجب حال من يقرأ هذه السورة مرارًا، ثم لا يقف عند هذه الدقة، ولا يسأل: لماذا ذُكر هذا؟ ولماذا سُكت عن ذاك؟ بينما يقرؤها غيره لأول مرة، فيقوده هذا التدبر إلى الإيمان؛ لأن القرآن لا يعطي أسراره إلا لمن طرق بابه بقلبٍ حاضر.

ولهذا قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.

          فالقرآن لا ينفد عطاؤه، ولا تُستقصى كنوزه، وكلما أعدت النظر فيه، فتح لك بابًا لم يكن مفتوحًا من قبل، ومن هنا كانت قصة أصحاب الكهف — حتى في ذكر كلبهم — مدرسةً في الإيمان، ودليلًا متجددًا على أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون إلا كلام رب العالمين.


أبو خالد

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.