استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

فقه الأولويات العاطفية: حين تصبح المحبوبات أصناماً قراءة في أسباب الهزيمة النفسية والعسكرية


 في هذا المقطع الدقيق من سورة التوبة، يضع القرآن مشرط الجراح على العلة الخفية التي تسبب الهزائم الكبرى إنها ليست قلة العدد كما كان الحال في غزوة حنين، بل هي الرخاوة في عقد الإيمان، وتقديم حظوظ النفس على حقوق الله. هذا المقال يقرأ في آية المحبوبات الثمانية، وكيف تتحول النعم (الأهل والمال) من وسائل للعمارة إلى قيود تمنع من النهوض، وتستوجب عقوبة التربص.

الآية العمود: ميزان الذهب.. أحب إليكم

إن الآية في هذا الثمن التي تمثل كاشف الكذب الإيماني هي قوله تعالى: ﴿قُلِ اِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ اِ۪قْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اَ۬للَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِے سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّيٰ يَاتِيَ اَ۬للَّهُ بِأَمْرِهِۦۖ وَاللَّهُ لَا يَهْدِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لْفَٰسِقِينَۖ﴾ (24).

يصف الزمخشري رحمه الله هذه الآية بأنها تنعى على الناس رخاوة عقد الدين، ويضعنا أمام اختبار قاسٍ:
«… ويغويه الشيطان عن أجلّ حظ من حظوظ الدين، فلا يبالي».

فالمعيار الحقيقي ليس ما تدعيه، بل ما تتألم لفقده. إذا كان ألمك على كساد التجارة أعظم من ألمك على ضياع الدين أو تأخر النصر، فالبوصلة معطلة، والانهيار قادم.

الكمائن الثلاثة: خطة إعاقة الحركة

كيف يستخدم الشيطان هذه المحبوبات؟
يشرح ابن العربي رحمه الله استراتيجية العدو من خلال الحديث النبوي: «إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد»؛ فقعد له في طريق (الإسلام)، ثم (الهجرة)، ثم (الجهاد). وسلاحه في كل كمين هو التخويف بـ: «أتذر أهلك ومالك؟».

فكل ترقية في سلم النهضة لها ضريبة اجتماعية واقتصادية، والشيطان يحاول إقناعك بأن الحفاظ على المكتسبات (الاستقرار/المسكن/التجارة) أهم من تلبية النداء.

هندسة المحبوبات: من النصرة إلى السكون

لماذا رتبت الآية المحبوبات هكذا؟
يلفت البقاعي رحمه الله النظر إلى هذا الترتيب التصاعدي في الخطورة، فيقول:
«فإن الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة النصرة... وختم بالمسكن لأنه الغاية التي كل ما تقدم أسباب للاسترواح فيه والتجمل به».

فالمسكن (رمز الاستقرار والراحة) هو القيد الأخير والأثقل. ومن رضي بـ سكون الجدران عن حركة الجهاد، فقد حكم على نفسه بـ الفسق.

ويعرف البقاعي الفاسقين هنا تعريفاً حركياً خطيراً: «الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى صار الفسق خلقاً من أخلاقهم». فالطاقة التي لا تُصرف في الحق، تتحول حتماً لتُصرف في الباطل.

عقوبة القعود: يغزوهم في عقر دارهم

وماذا لو اخترنا السلامة والقعود؟
النتيجة في قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾.

ويفسر ابن العربي هذا الوعيد بقانون تاريخي صارم: «عقوبته التي تنزل بهم الذل والخزي، حتى يغزوهم العدو في عقر دارهم، ويسلبهم أموالهم».

فالأمة التي تبخل بأموالها وأنفسها عن الجهاد حفاظاً عليها، يسلط الله عليها عدواً يأخذ هذه الأموال والأنفس وهي ذليلة. كلفة الجهاد أقل بكثير من ضريبة الذل.

الخاتمة: قطع العلائق

الحل يكمن في التحرر القلبي. وكما يقول القشيري: «علامة الصدق في التوحيد قطع العلاقات... والاكتفاء بالله». ليس بترك الأهل، بل بقطع التعلق الذي يجعلك عبداً لهم من دون الله.


كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.