مقدمة: من الفهم إلى التأثير
بعد أن قمنا بتشخيص الشبكة المفاهيمية السائدة في حالة "مسجد التبريد المفتوح"، وحللنا الدوافع النفسية للفاعلين، ومارسنا التعاطف لفهم مخاوفهم وقيمهم الكامنة، نصل الآن إلى المرحلة الحاسمة: مرحلة اقتراح الحلول. فالفهم والتشخيص والتعاطف، على أهميتهم، يظلون بلا قيمة عملية ما لم يثمروا استراتيجيات تدخل حكيمة وهادفة تسعى لإحداث التغيير الإيجابي المنشود.
إن هندسة الحلول في مثل هذه الحالة المعقدة لا تعني فرض حل واحد أو الدخول في مواجهة مباشرة، بل تعني التفكير الإبداعي في مجموعة من التدخلات المتدرجة والمتنوعة التي تراعي طبيعة المفاهيم والفاعلين والبيئة الاجتماعية. والاستراتيجيات التالية هي مجرد أمثلة واقتراحات اجتهادية وليست قائمة حصرية، فالهدف هو فتح باب التفكير في حلول ممكنة يمكن تكييفها أو تطويرها أو اقتراح بدائل أخرى لها بناءً على خصوصية كل موقف. تنتقل هذه الاقتراحات من التدخل غير المباشر إلى التدخل الأكثر استهدافًا، مع التركيز على المنهج الإنساني والنظمي.
المبدأ الحاكم: احترام الفاعلين وتجنب المواجهة
انطلاقًا من فهمنا التعاطفي، يجب أن يكون المبدأ الحاكم لأي استراتيجية هو تجنب المواجهة المباشرة التي تستهدف شخص القيّم أو تُشعر الآخرين بالتهديد. يجب أن تركز الحلول على المشكلة (هدر الطاقة، عدم فعالية التبريد) وليس على الأشخاص، الهدف هو بناء قناعات جديدة بهدوء وتدرج، لا إثبات خطأ الآخرين.
استراتيجيات التدخل المقترحة:
المستوى الأول: التدخل غير المباشر (زرع المفاهيم بصمت)
هذه استراتيجيات ناعمة تهدف إلى زرع المفاهيم السليمة في بيئة المسجد دون توجيه الخطاب لأي شخص بعينه.
استراتيجية الدليل المرئي البسيط:
الإجراء: تصميم ملصق بسيط وجذاب يُعلّق بجانب لوحة التحكم بالمكيف والمراوح.
المحتوى: رسم توضيحي بسيط لكيفية عمل المكيف، مع جملة واضحة مثل: "لأفضل تبريد وحفظ لطاقة المسجد، يرجى إغلاق الأبواب والنوافذ"، وربطها بآية أو حديث عن حفظ النعمة مثل: "وَلَا تُسْرِفُوا".
الهدف: تقديم المعلومة الصحيحة وربطها بقيمة شرعية بطريقة موضوعية وغير شخصية.
استراتيجية القدوة العملية الصامتة :
الإجراء: قيام شخص أو مجموعة صغيرة من المصلين، بهدوء وبشكل متكرر، بإغلاق النافذة أو الباب القريب منهم بعد تشغيل المكيف، دون إبداء أي تعليق.
الهدف: خلق عادة جديدة وتقديم نموذج سلوكي صحيح دون جدال، مما قد يؤدي إلى قبول الوضع الجديد تدريجيًا.
المستوى الثاني: التدخل عبر طرف ثالث (بناء الجسور)
إذا لم تنجح الاستراتيجيات غير المباشرة، يمكن إشراك طرف ثالث يحظى بالاحترام والثقة.
استراتيجية "حديث الإمام":
الإجراء: التحدث مع إمام المسجد وتوضيح المشكلة له بلطف، واقتراح تناول موضوع عام ذي صلة، مثل "حفظ الأمانة ورعاية مال الوقف" أو "فقه السنن الكونية واحترام العلم".
الهدف: ترسيخ المفاهيم الشرعية الغائبة (الترشيد، المسؤولية، فهم سنن الله في الخلق) من خلال شخصية لها مصداقية دينية.
استراتيجية "حوار الحكماء بالقياس والتشبيه":
الإجراء: يمكن لأحد كبار السن المحترمين أو أحد المتعلمين الموثوقين أن يتحدث مع القيّم على انفراد وبأسلوب ودي.
المحتوى المقترح للحوار: يبدأ الحوار بالثناء على جهود القيّم وحرصه. ثم، بدلًا من تقديم المعلومة بشكل مباشر، يمكن استخدام القياس والتشبيه كأداة إقناع لطيفة، مثل القول: "يا فلان، بارك الله فيك، كنت أفكر في أمر هذا المكيف، وهو يشبه ثلاجة البيت الكبيرة. هل نترك باب الثلاجة مفتوحًا في البيت لتبريد المطبخ؟ بالطبع لا، لأننا نعرف أن الهواء البارد سيهرب. ربما هذا المكيف يعمل بنفس الطريقة؟ ما رأيك لو نجرب إغلاق الأبواب ليوم واحد فقط ونرى الفرق؟".
الهدف: نزع فتيل الانفعال، ونقل المفهوم من المجهول (المكيف) إلى المعلوم (الثلاجة)، ودفع الشخص للتفكير والوصول إلى الاستنتاج بنفسه، وتقديم الحل كتجربة مشتركة لا كأمر أو نقد.
المستوى الثالث: التدخل العملي المباشر (الهندسة الواقعية)
تهدف هذه الاستراتيجيات إلى تغيير الواقع المادي بشكل يساعد على تغيير السلوك.
استراتيجية "الحل التقني":
الإجراء: اقتراح أو التبرع بتركيب "غالق أبواب أوتوماتيكي" على الباب ، وهو جهاز بسيط يجعل الباب يُغلق تلقائيًا بعد فتحه.
الهدف: حل المشكلة بشكل عملي ومادي دون الحاجة لإقناع أي شخص. يصبح إغلاق الأبواب هو الوضع التلقائي، وهذا يغير "الوضع الافتراضي" للسلوك.
خاتمة: الصبر والحكمة والتدرج
إن هندسة الحلول لمشكلة مفاهيمية واجتماعية متجذرة تتطلب الصبر والحكمة والتدرج. قد لا تنجح استراتيجية واحدة، وقد يتطلب الأمر مزيجًا من عدة استراتيجيات تُطبق على مدى فترة من الزمن. المهم هو الحفاظ على المبدأ الأساسي: التركيز على حل المشكلة برفق وحكمة، وبناء المفاهيم السليمة بهدوء، مع احترام وتقدير جميع الفاعلين في هذه المنظومة الإنسانية.
في المقال التالي، سنناقش كيف يمكن استخدام "التفكير الخوارزمي" لتنظيم هذه الاستراتيجيات في خطة عمل واضحة ومنطقية وقابلة للتكيف.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
دعوة:
ما شاء الله تبارك الله
هذه ثمرات الإخلاص المستمر لكتاب الله
بفضل الإرتباط المستمر بالقرآن وعلومه، تتفتح العلوم المعاصرة ضمن رؤية كلية متزنة ..
رؤية يجعلها القرآن الكريم مؤهلة لبناء حكيم للمعارف ونظم للمناهج وللتخصصات على وزان القرآن!!
نتمنى في مجموعات جيل النهضة، أن يركز بقية الكتاب الكرام على هذا الهدف الكبير:
تحقيق ثمرات متينة، مصقولة بتأن واستمرارية، ولو بالحد الأدنى كميا....
الى أن تتشكل معارف نهضوية جديدة تنسج بالرؤية القرآنية نظما واقعيا لعلوم العصر، ومستجداته وتحدياته
بارك الله فيكم جميعا ووفقكم
