استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

ساعة الفتح: كيف نتحول من استفراغ الجهد إلى سعة التمكين؟


 نصل اليوم إلى ختام أحسن القصص؛ في هذا المقطع، يضع القرآن لنا خريطة النجاة النهائية؛ حيث نكتشف أن التمكين لا ينزل على الأمة وهي في حالة دعة، بل ينزل عندما يستفرغ المصلحون كل جهدهم ويصلون إلى حافة الاستيئاس. إنها دعوة لكل ناهض لِيتحرر بقلبه من سجن الظروف المادية، ويثق في أمر الله الذي يُحول اليأس البشري إلى نصرٍ مبين.

1. الآية العمود: مِيقات انقطاع الأسباب

تنتصب الآية (110) كمركز ثقل لهذا الختام: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾. تضعنا هذه الآية أمام سِرِّ التوقيت الإلهي؛ فالنصر ليس مكافأة على بداية العمل، بل هو إعلان انتهاء مختبر الصبر. ويرى الشهيد سيد قطب رحمه الله أن النصر يجيء في اللحظة التي: «لا تبقى فيها ذرةٌ من الطاقة المدخرة.. ولا تبقى بقيةٌ من جهد ولا بقيةٌ من طاقة، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس».

2. الاستيئاس: حين يبلغ الجُهدُ مُنتهاه

قد يختلط على البعض معنى يأس الرسل، لكن الماتريدي رحمه الله يُجلي هذا اللبس مبيناً أن استيئاسهم كان من استجابة الواقع لا من رحمة الله، حيث يقول : «يحتمل استيئاسهم من إيمانهم [أي قومهم] لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم بردها.. فقد استيقن الرسل أنهم قد كذبوهم». ويضيف  حسين فضل الله رحمه الله أن الاستيئاس هو بلوغ القمة في العمل: «واستنفدوا كل التجارب، واستعملوا كل الأساليب، وواجهوا الناس من كل جانب.. ولم يستجب لهم أحد». فالنهضة هي أن تبذل أقصى وسعك حتى تصطدم بجدار الاستيئاس، لِيُفتح لك باب التأييد.

3. عِزّة الاستقلال: التحرر من سطوة المنصب

يوسف عليه السلام في قمة تمكينه ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ لم تبهره زينة العرش، بل ظلَّ قلبه معلقاً بالمرجع الأعلى ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾. هذا هو العقل المستبصر الذي لا يرى في السُلطة حيازة بل ائتمان. إنه فعل التسامي؛ فالقائد الناهض يملك الدنيا بيده لكنها لا تملك قلبه. وبحسب القشيري رحمه الله، فإن الفتح لا يأتي إلا بعد «الرضا بالإفلاس» من الحول والقوة الشخصية؛ فبقدر ما تفتقر لربك وأنت في قمة قوتك، يمتدُّ لك مَدَدُه الذي لا يُهزم.

4. عِبرةُ الألباب: تحويل التاريخ إلى منهج

يختم القرآن السورة بفتح مختبر العبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. والعبرة هي العبور من القصة القديمة إلى الواقع المعاصر. ويرى ابن عاشور رحمه الله أن قوله ﴿نَقُصُّ﴾ مأخوذ من: «قَصِّ الأثر إذا تتبع مواقع الأقدام ليتعرف منتهى سير صاحبها». الناهض هو من يقص أثر يوسف ليتعلم كيف يدير وهو في بئر التهميش وسجن الابتزاز لِيصل إلى خزائن الإصلاح. إن أحسن القصص هي الغذاء الذي يحمي العقل من التشتت في تفاهات الاستهلاك ويُوجهه نحو بصيرة البناء.

الخاتمة:

النهضة هي رحلة تبدأ بـ صدق الكدح وتنتهي بـ جلال الفتح. لا تبتئس بطول الطريق، واستفرغ مجهودك كله في تطويع الأسباب؛ فإذا بلغتَ حدَّ الاستيئاس، فابشر بـ نسمة الرَّوح التي ستجعل عالي الباطل سافله. كُن مستقلاً بيقينك، مُحسناً في عملك، واثقاً أن ما يراه الناس انسداداً هو في ميزان الله بوابة نصر.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.