استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

بين الناس مساحة… لو ضاقت اختنقت العلاقات


لدى اليابانيين مفهوم جميل يُسمّى “Ma” ، ويعني: المساحة التي تُترك بين الأشياء والأشخاص، لا باعتبارها فراغًا بلا قيمة، بل باعتبارها ضرورة للحياة والانسجام.
ففي الثقافة اليابانية، ليست الحكمة في ملء كل صمت بالكلام، ولا في تفسير كل تصرّف، ولا في الردّ على كل خطأ… بل أحيانًا في ترك مساحة هادئة تتنفس فيها العلاقات.
فكما تحتاج الموسيقى إلى لحظات صمت بين النغمات كي تصبح أكثر جمالًا، تحتاج العلاقات الإنسانية أيضًا إلى مساحات من: السماحة، والتغاضي، وحسن الظن، وعدم المبالغة في المحاسبة أو التفسير.
وقد استخدم اليابانيون مفهوم “Ma” لوصف:
١- المسافة الصحية بين الناس،
٢- الصمت الحكيم في الحوار،
٣- التمهل قبل الحكم،
٤- احترام خصوصية الآخر،
٥- وترك مساحة للخطأ أو الاختلاف دون أن تنهار العلاقة.
وفي بعض الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالتواصل الاجتماعي في اليابان، أشار باحثون إلى أن مفهوم “Ma” يُعدّ عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الانسجام الاجتماعي، لأنه يساعد الناس على فهم الحدود النفسية والعاطفية بينهم، ويخفف من التصادم الناتج عن التسرع وردود الفعل الحادة.
ولعلّ هذا أحد الأسباب التي جعلت بعض الباحثين يربطون بين الثقافة الاجتماعية الهادئة في اليابان وبين ارتفاع مستويات الرضا والسكينة لدى كثير من كبار السن هناك؛ فمع العمر يكتشف الإنسان أن راحة القلب لا تأتي من تغيير الناس، بل من توسيع المساحة التي نستوعبهم بها.

فالناس ليسوا نسخًا متطابقة، ولا يمكن أن تسير العلاقات البشرية بمنطق الكمال الدائم.
والمشكلة ليست دائمًا في وجود الأخطاء، بل أحيانًا في ضيق المساحة الممنوحة للخطأ.
بعض العلاقات لا تنتهي بسبب المواقف الكبيرة، بل بسبب:
التدقيق الزائد، وكثرة العتاب، والرغبة في تفسير كل كلمة، وتحويل الهفوات الصغيرة إلى قضايا كبيرة.
بينما الناضجون غالبًا يدركون أن استمرار الود يحتاج أحيانًا إلى “مساحة رحمة” أكثر من حاجته إلى “دقة عدالة”.
ففي كثير من الأحيان، لا تنجو العلاقات بسبب المثالية… بل بسبب وجود شخص يملك سعة قلب أكبر من حجم الخطأ.
وهنا تلتقي هذه الفكرة اليابانية مع معانٍ عظيمة في ثقافتنا الإسلامية؛ ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: { خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: “الكَيِّس العاقل هو الفطن المتغافل”.
فالتغافل هنا ليس ضعفًا، بل مهارة أخلاقية راقية، تقوم على إدراك أن العلاقات الإنسانية لا تستقيم إذا تحوّل الإنسان إلى قاضٍ دائم على من حوله.

ولعل من أجمل ما يحتاجه عالمنا اليوم:
أن نتعلم كيف نترك مساحة…
( مساحة للاختلاف، ومساحة للتعب، ومساحة للهفوات البشرية، ومساحة للصمت أحيانًا، ومساحة لحسن النية. )
فبعض الناس لا يحتاجون منا حلولًا بقدر ما يحتاجون صدرًا واسعًا لا يضيق بكل نقص.
وربما كانت الحكمة الحقيقية التي يصل إليها الإنسان مع الأيام:
أن الإحسان في العلاقات أوسع أثرًا من العدل المجرد، وأن القلب الذي يعرف كيف يتجاوز بعض التفاصيل الصغيرة… يعيش أكثر طمأنينة، ويحفظ علاقاته أكثر.

فالحياة أهدأ بكثير… حين لا نحاول إدارة البشر كأنهم مشاريع كاملة، بل نحبّهم بإنسانيتهم الناقصة .

زياد ريس 
٢٢/٥/٢٠٢٦ 



دعم:


مقال ركن في:

سلامة العلاقات الإنسانية

حسن المقارنة بين الثقافات(اليابانية والمسلمة) كنماذج

وفي إمكانية نقل هذه المهارة لتكون  معاملات عابرة للمذاهب وللدول والمؤسسات

حتى يكون الأداء العام متجها نحو التكامل والوحدة برغم التنوع والإختلافات، وليس متجها نحو التصدع والإقتتال من أول سوء فهم او أول مواجهة !!


والحصيلة من المقال ومن هذا الدعم، 

أن الأنماط الكبرى المتكررة التي تحدد إتجاهات، هي ما ينبغي اعتباره في العلاقات وليس الأحداث المعزولة التي يسهل اختلاقها، او قد تحدث عرضا وسهوا ....


وأصل الامر قد يكون مفصلا اكثر في سورة الحجرات

شكر الله لكم حسن الإختيار 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.