الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدىً ورحمةً للعالمين، ووصل آياته بعضها ببعض، لتقوم الحجة، وتكتمل البصيرة، ويستيقظ القلب، ويستقيم السير. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبيَّن للناس ما نُزِّل إليهم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مدخل: بعد "البصائر".. ميلادُ "الوعي الموصول"
إذا كانت البصائر تمنح الإنسان القدرة على الرؤية، فإن توصيل القول يمنحه القدرة على بناء رؤيةٍ متماسكةٍ لا تتفكك مع الأيام. وهنا يفتتح القرآن الحزب الأربعين بقانونٍ معرفيٍّ بديع، هو قانون التوصيل؛ فالحق ليس ومضاتٍ عابرة، ولا معلوماتٍ متناثرة، وإنما هو نظامٌ متصل يصل أجزاء الهداية بعضها ببعض حتى يُثمر الغاية التي نصت عليها الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
إن هندسة المفاهيم في هذا المقطع تنقلنا من تجزئة الأفكار إلى كلية الرؤية؛ لنفهم أن كل آية حلقة في حبل متين، يشد الإنسان من ركام الغفلة إلى قمة الوعي والسيادة. فالتوصيل وسيلة، أما التذكر فهو الثمرة، ومن التذكر يولد العمل، وتستعيد الفطرة اتصالها بخالقها.
الآية العمود: برنامج الربط المنظومي
تنتصب الآية الحادية والخمسون من سورة القصص إطارًا حاكمًا لهذا الثمن كله:
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ اُ۬لْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَۖ﴾.
ويكشف البقاعي رحمه الله عن سر هذا التوصيل بقوله:
«أَتْبَعْنَا بَعْضَ الْقَوْلِ -الَّذِي لَا قَوْلَ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ- بَعْضًا... لِتَكُونَ جَوَابًا لِأَقْوَالِهِمْ، وَحَلًّا لِإِشْكَالِهِمْ، فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْفَهْمِ، وَأَوْلَى بِالتَّدَبُّرِ».
فالقرآن لا يواجه الغفلة بضربة واحدة، وإنما يحاصرها من كل الجهات؛ مرة بالوعد، ومرة بالوعيد، ومرة بالقصة، ومرة بالمثل، حتى تتجمع الخيوط في العقل، فيبصر الحقيقة كاملة، ويتذكر ما غفل عنه.
إن السيادة تبدأ حين يدرك الإنسان أن الوحي ليس صفحات متفرقة، وإنما منظومة معرفية موصولة، تتساند أجزاؤها، ويشهد أولها لآخرها، ويقود بعضها إلى بعض، حتى تبلغ الهداية غايتها.
2. لوحةُ قيادةِ التوصيل: التنوعُ عَوْنٌ لِلذِّهن
التوصيل في القرآن ليس مجرد ترتيبٍ للنصوص، ولا تتابعٍ للأخبار، وإنما هو هندسةٌ للوعي؛ إذ تنتقل الآيات بالقلب والعقل بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والقصص والأمثال، والأحكام والسنن، حتى لا يألف الإنسان نمطًا واحدًا، ولا يركن إلى صورة واحدة، فيظل العقل يقظًا، والقلب حاضرًا.
ويبين ابن عاشور رحمه الله هذه الحكمة بقوله:
«وَصَلَ أَصْنَافًا مِنَ الْكَلَامِ: وَعْدًا، وَوَعِيدًا، وَتَرْغِيبًا، وَتَرْهِيبًا، وَقِصَصًا وَمَوَاعِظَ... وَفِي كُلِّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى نَشَاطِ الذِّهْنِ لِلتَّذَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ».
وهنا تتجلى عبقرية البناء القرآني؛ فالقرآن لا يبني الإنسان بتكديس المعلومات، وإنما ببناء العلاقات بينها؛ فالقصة تفسر الوعد، والوعد يثبت الحكم، والحكم يوجه السلوك، والسلوك يعيد قراءة القصة، حتى تتكون في العقل شبكة واحدة من الهداية، لا جزر معرفية متباعدة.
ومن هنا كان التوصيل قانونًا من قوانين التربية؛ إذ لا يكتفي الوحي بإخبار الإنسان بالحق، بل يصنع له بيئة معرفية متكاملة، تتعاضد فيها المفاهيم، وتتساند فيها الآيات، فينشأ الوعي الموصول القادر على تفسير الواقع، وربط الحوادث بسنن الله، وربط اللحظة بالمآل.
ولهذا فإن أخطر ما يصيب الإنسان ليس قلة المعلومات، وإنما تفكك المعرفة؛ حين تتحول الحقائق إلى أجزاء متناثرة، لا يجمعها أصل، ولا تنتظمها غاية. أما القرآن، فيردُّ كل جزئية إلى أصلها، وكل أصل إلى غايته، حتى يصبح المؤمن صاحب رؤية متماسكة، لا تهزها الشبهات، ولا تشتتها الأحداث.
3. التوصيلُ كَـ"أفراسِ الرِّهان" في ميدان الحقيقة
إذا كان التوصيل يبني الوعي من الداخل، فإنه يمنحه كذلك سرعة الاستجابة عند مواجهة الفتن والشبهات. فالقرآن لا يكتفي بتكوين المعرفة، بل يُدرِّب العقل على الحركة الصحيحة في الوقت الصحيح؛ لأن الحق المتصل يسبق الباطل المتفكك، كما تسبق الخيل الأصيلة سائر الدواب.
ولذلك رسم البقاعي رحمه الله صورة بديعة لآيات القرآن بعد أن تتابعت وتكاملت، فقال:
«وَأَكْثَرْنَا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ آيَاتُهُ كَأَنَّهَا أَفْرَاسُ الرِّهَانِ يَوْمَ اسْتِبَاقِ الْأَقْرَانِ فِي حَوْمَةِ الْمَيْدَانِ».
إنه تصوير بالغ الدقة؛ فكما أن فرس الرهان لا ينتصر بقوته وحدها، بل بحسن تدريبه، وتناسق حركته، واستعداده السابق، كذلك المؤمن لا يثبت في ميادين الابتلاء بما يحفظه من معلومات، وإنما بما ترسخ في قلبه من منظومة موصولة، تربط النص بالواقع، والسنن بالأحداث، والوعد بالعمل.
ومن هنا نفهم سرَّ تماسك المؤمن أمام عواصف الشبهات؛ إذ لا يستقبل كل حادثة بمعزل عن الوحي، ولا يقرأ كل واقعة قراءة مبتورة، وإنما يردها إلى شبكة الهداية التي بناها القرآن في قلبه. فإذا اضطرب الناس ثبت، وإذا تشوشوا اهتدى، وإذا تنازعوا احتكم إلى الوحي، لأنه يحمل قولًا موصولًا لا أفكارًا متناثرة.
4. ميزان العاقبة: الوعدُ الموصولُ والمتاعُ المقطوع
ويبلغ هذا البناء المنظومي ذروته في الموازنة التي يعقدها القرآن بين الوعد والمتاع:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
إن الفرق بين الوعد والمتاع ليس في المقدار، وإنما في الامتداد؛ فالمتاع يبدأ وينتهي في حدود الدنيا، أما الوعد فيبدأ أثره في الدنيا، ثم يمتد إلى الآخرة، فلا ينقطع عطاؤه، ولا يخيب رجاؤه.
وهنا تظهر ثمرة الوعي الموصول؛ إذ يصبح صاحبه قادرًا على وصل اللحظة بعاقبتها، والاختيار بنتيجته، والدنيا بالآخرة. فلا يخدعه بريق عاجل، ولا تستفزه لذة مؤقتة، لأنه ينظر بعين المآل لا بعين اللحظة، ويزن الأمور بميزان الوعد الإلهي، لا بميزان المتاع الزائل.
ولهذا كان المتاع في الآية مقطوعًا، وكان الوعد موصولًا؛ لأن الأول ينتهي بانتهاء أسبابه، أما الثاني فيبقى ببقاء وعد الله الذي لا يتخلف.
الخاتمة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾... استعادة النظام الفطري
إن هندسة التوصيل ليست مجرد أسلوب في عرض الحق، وإنما هي منهج رباني لإعادة بناء العقل على فطرته الأولى. فالقرآن لا يوصلك بالمعلومة وحدها، بل يوصلك بالله، وبسننه في الكون، وبعواقب الأعمال، حتى يصبح التذكر حالةً دائمة، والعمل ثمرةً طبيعية لهذا التذكر.
فلا تقرأ القرآن آياتٍ متفرقة، بل اقرأه حبلًا متينًا يشد بعضه بعضًا، وتدبر كيف تصل الآيات بين العقيدة والشريعة، وبين القصص والسنن، وبين الدنيا والآخرة، حتى يتشكل في قلبك وعيٌ موصول لا تقطعه الشبهات، ولا تبدده الشهوات.
وعندها تتحقق غاية هذا الثمن كله:
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
فاسأل نفسك اليوم:
هل علاقتي بالقرآن مجرد قراءة... أم هي اتصال؟
كتبه: حسان الحميني
والله الموفق.
تعليق من الدكتور جاسم سلطان:
هذا قول حكيم ويعالج اكبر مشاكل العقل المسلم وهي " التذرر" حيث تتراكم المعرفة بلا رفوف منظمة ولا اليات ربط بين الاجزاء.
