التمهيد: مَضيقُ الغَفَلَاتِ المُتعددة وحاجةُ الرُّكابِ لِلخريطة
نحن نبحر في مضيق الغفلة الموحش، حيث تزدحم الألغام المموَّهة التي توهم الإنسان بالسلامة الزائفة. إن أزمة الركاب في هذا الممر ليست في نقص المتاع ولا في قصر العمر، بل هي غفلاتٌ مركبة؛ غفلةٌ عن الحارس الحقيقي ﴿مَن يَكْلَؤُكُم﴾، وغفلةٌ عن الموازين الدقيقة التي تزن مثقال الخردلة. فما أخسأ هذا الإنسان حين يظن أن طول الأمد سيعصمه من الحساب، متجاهلاً أن نجاة السفينة مرهونة بالاستمساك بالخريطة الوحيدة الصادقة: الذِّكر المبارك.
1. الذِّكرُ المُبارك: بَرنامجُ استرجاعِ الفطرة
القرآن في مدرسة الأنبياء ليس مجرد نص تاريخي، بل هو نظام تشغيل يعيد الإنسان إلى أصله الفطري. ويوضح السعدي رحمه الله أن صفة الذِّكر تعني إيقاظ ما ركزه الله في العقول من تصديق بالحق، أما البركة فهي طاقة النماء التي تحول هذا الذكر إلى واقع مُزدهر؛ حيث يقول: «القرآن ذِكرٌ يتذكر به جميع المطالب.. وسماه ذكراً لأنه يذكر ما ركزه الله في العقول والفطر.. وكونه مباركاً يقتضي كثرة خيراته ونمائها وزيادتها، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن». فالسيادة تبدأ حين نُخرج البركة من حيّز التبرُّك الشكلي إلى حيّز النماء الميداني الذي يرفع شأن الأمة.
2. سِيادةُ الحضورِ العَلوي: المنهجُ الجامعُ لِلمواصفات
يؤكد الوحي أن هذا المنهج حاضرٌ ومؤثر، وليس غائباً في أرشيف الماضي. ويشير العلامة ابن عاشور إلى أن كلمة "هذا" تعلن حضور الكتاب في الأذهان كحضور الذات، مبيناً أن بركته استوعبت وتجاوزت كل ما سبقها؛ حيث يقول: «وصف القرآن بالمبارك يعمّ نواحي الخير كلها لأن البركة زيادة الخير.. فكان وصفه بأنه مبارك وافياً على وصف كتاب موسى عليه السلام بأنه فرقان وضياء.. وزاده تشريفاً بإسناد إنزاله إلى العالم العلوي».
إن الإنكار في ظل هذا الحضور العلوي هو عَطَلٌ عميق يمنع الأمة من رؤية نور كلاءتها وحمايتها، وهذا الحضور العلوي ليس مجرد شرف تاريخي، بل هو ضمانة أن ما في الكتاب لم يُنزَّل لزمن بعينه — فبركته متجددة بتجدد حاجات البشر.
3. خُلودُ الأسرارِ وتعدِّي النَّماء: ترياقُ الغفلات
الغفلة قد تصيبنا حتى ونحن نردد الآيات، إذا اختزلنا الكتاب في كونه مجرد أحكام جامدة. ويفتح لنا الشيخ الشعراوي آفاقاً أرحب لمعنى البركة التي تتجاوز الزمن؛ حيث يقول: «إياكم أن تقولوا: إنه كتاب أحكام وتكاليف فحسب، فالقرآن فيه صفة الخلود، وفيه من الأسرار ما لا ينتهي.. فهو مبارك لأن ما فيه من الخير يتجاوز كل العصور والأعمار، فيعطي كل يوم سراً جديداً من أسرار قائله». فالنهضة هي اكتشاف الجديد في القديم، واستخراج كنوز البركة التي تناسب ألغام كل عصر.
4. جَرِيمةُ الإنكارِ وسَفَهُ العناد: كَشْفُ المَستور
يختم المقطع بصاعقة تربوية تفضح حقيقة المُعرضين. وبحسب الماتريدي رحمه الله، فإن الاستفهام في ﴿أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ هو إثبات لجريمة العناد؛ حيث يقول: «وتعرفونه أنه كذلك، فأنتم في هذا له منكرون؛ يذكر سفههم، ويُخبر عن عنادهم». فالمنكر للبركة ليس جاهلاً، بل هو سفيهٌ اختار أن يصدم سفينته بالألغام رغم وضوح الخريطة، مفضلاً خسء الضعة على عِز الاستئمان.
الخاتمة:
إن التخلف هو الارتهان لِلمتاع الزائل والذهول عن الكِلاءة الإلهية التي تحرسنا ليل نهار. لا تكن ممن نسوا الآيات فَنُسوا في زحمة الموازين القسط، بل كن ناهضاً يستمد قوته من الذِّكر المبارك. استمسك بالخريطة واقرأ أسرارها المتجددة، وتيقن أن من رَفَع بهذا القرآن رأساً، رَفَع الله له في العالمين ذكراً، وحماه من نفحات العذاب التي تتربص بالغافلين.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
