استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

قانون المواثيق والانكفاء: كيف يحمينا الوفاء بالقرآن من السقوط الحضاري؟


التمهيد: أزمة العتو وانعكاس المآل
تبدأ الأزمة الحضارية حين يظن الإنسان أن سيادته تكمن في التمرد على الوحي والارتهان لعالم المادة؛ فيطالب برؤية الملائكة حساً لأنه عجز عن رؤية الحق عقلاً.
ويكشف لنا هذا المقطع من سورة الفرقان مسار الانقلاب الذي يصيب الإنسان حين يستكبر عن الوحي؛ فمن أعرض عن الكتاب الذي يرفعه انتهى به المآل مَسحوباً على وجهه: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾.
وبين عتو البداية وانكفاء النهاية، تبرز الحقيقة المرة التي يشكوها الرسول ﷺ إلى ربه: إنها هجر القرآن الذي هو كتاب الهداية وميثاق النهوض.
أولاً: الهجر يبدأ بإسكات صوت الحق
يبدأ التخلف حين تُعطل الأمة السمع للوحي وتستبدله باللغو والضجيج.
وبحسب الإمام الطبري، فإن الهجر هو عملية إعراض مقصودة عن القرآن؛ حيث يقول:
«الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا له.. قالوا: "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه"، وذلك هجرهم إياه.. لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا».
فاللغو ليس مجرد كلام عابر، بل قد يتحول إلى وسيلة لحجب القلب عن سماع الحق.
ثانياً: طبقات الهجر المركب
الهجر ليس مجرد ترك للتلاوة، بل هو خلل يمتد إلى العلم والعمل والتدبر.
ويشرح الحافظ ابن كثير كيف يتغلغل الهجر في مفاصل الحياة؛ حيث يقول:
«المشركين كانوا لا يُصغُون للقرآن ولا يسمعونه.. فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه، فهذا من هجرانه. وترك علمه وحفظه أيضاً من هجرانه، وترك الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من هجرانه».
ثالثاً: حين يتحول الهجر إلى أزمة حضارية
لقد تسرب الهجر إلى واقع المسلمين في صور متعددة أثرت في الفكر والسلوك ومسيرة النهوض.
ويضع إمام النهضة ابن باديس إصبعه على مواضع الخلل بقوله:
«بسط القرآن عقائد الإيمان بأدلتها العقلية القاطعة فهجرناها وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة.. وبيّن القرآن أصول الأحكام فهجرنا واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة.. وبين مكارم الأخلاق فهجرنا ذلك كله ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا.. وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه فهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب وبدائع الزهور.. ودعانا إلى تدبره وتفهمه فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبينه».
رابعاً: لماذا يحتاج الهجر إلى تكلف؟
يكشف لنا الوحي أن الإنسان لا يهجر القرآن بسهولة، بل يجاهد فطرته التي تنجذب إلى نوره وهداه.
ويشرح الإمام البقاعي هذا المعنى بقوله:
«{اتَّخذوا} أي بتكليف أنفسهم ضد ما اتخذه {هذا القرآن}.. فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً، لما يرون من حسن نظمه ولذيذ معانيه.. كما تعرف به قصة أبي جهل وأصحابه حين كانوا يستمعون لقراءته ليلاً.. ثم يتلاومون ويتعاهدون على ألا يعودوا».
إن هجر القرآن ليس حالة عفوية، بل مجاهدة للنفس في الإعراض عن الحق وكسر الانجذاب الفطري إلى نور الوحي.
الخاتمة: من هجر الميثاق إلى استعادة الهداية
إن التخلف يبدأ حين يهجر الناس الكتاب الذي أنزله الله لهدايتهم، فيضيع الميزان وتضطرب الوجهة.
أما النهضة فتبدأ بالعودة إلى القرآن علماً وعملاً وتدبراً، وجعلِه المرجع الذي تُبنى عليه العقائد والأحكام والأخلاق.
وما أشد الفرق بين أمة تسمع شكوى نبيها ﷺ فتراجع علاقتها بالقرآن، وأمة تسمعها ثم تمضي في الهجران. فشكوى الرسول ليست خبراً عن قوم مضوا، بل ميزاناً يزن به كل جيل مقدار قربه من كتاب ربه أو بعده عنه.
فإذا استعدنا صلتنا بالفرقان سرنا على الصراط المستقيم، ونجونا من الندم الذي يصور القرآن أهله يوم القيامة وهم يعضون على أيديهم.



كتب حسان الحميني،
 والله الموفق. 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.