استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

كَيْفَ نَعْبُرُ مِنْ «سِجْنِ النُّدْرَةِ» إِلَى «وَفْرَةِ السُّبُلِ»؟ (رؤيةٌ مَنظوميةٌ في بَرْزَخِ سُورَتَي العنكبوت والروم)


 مدخل: حين يكون السِّجن في الرؤية لا في الواقع

بين ختام سورة العنكبوت ومطلع سورة الروم يقيم القرآن جسرًا دقيقًا لا يراه إلا من أحسن تدبر نظامه. ففي الأولى وعدٌ بالهداية، وفي الثانية تشخيصٌ للغفلة؛ وبين الوعد والتشخيص يتحدد الفارق بين أمةٍ تنظر إلى الآيات، وأخرى تبقى حبيسة الظاهر.

إن أخطر ما يُبتلى به الإنسان ليس قلة الوسائل، وإنما ضيق الرؤية. فكم من واقعٍ بدا مسدودًا، وكان في علم الله مليئًا بالسبل، وكم من أمةٍ انهزمت قبل أن تُهزم؛ لأنها سجنت نفسها داخل ما تراه العين، وغفلت عما يفتحه الله لعباده من أبواب الهداية.

ولعل ما يُعرف اليوم في الفكر الإداري بـ«عقلية الندرة» و«عقلية الوفرة» يقرب هذا المعنى؛ فقد اشتهر ستيفن كوفي بهذا التفريق، غير أن القرآن يرفعه من دائرة التفكير الإداري إلى أفق الإيمان؛ فوفرة المؤمن ليست وفرة الموارد، وإنما وفرة الهداية، وسعة تدبير الله، واعتقاده بكثرة السبل التي يفتحها لعباده المجاهدين.

أولًا: الآية العمود... تشريح العمى المنظومي

يقول الله تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَٰهِراٗ مِّنَ اَ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪ا وَهُمْ عَنِ اِ۬لَاخِرَةِ هُمْ غَٰفِلُونَۖ﴾[6]


هذه الآية لا تذم العلم، وإنما تذم الوقوف عند ظاهره؛ إذ قد يبلغ الإنسان الغاية في معرفة دقائق الدنيا، وهو أفقر ما يكون إلى معرفة الغاية التي خُلق لها.

ولهذا يصور الآلوسي رحمه الله هذا الخلل تصويرًا بليغًا بقوله:

«يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا.. وَهُوَ مَا يُحِسُّونَ بِهِ مِنْ زَخَارِفِهَا وَمَلَاذِّهَا.. بَلَغَ مِنْ حِذْقِ أَحَدِهِمْ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ أَنَّهُ يُقَلِّبُ الدِّرْهَمَ عَلَى ظُفُرِهِ فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ، وَمَا يُحْسِنُ يُصَلِّي».

وما أبدع هذا التصوير! فهو لا ينتقد المعرفة، وإنما يكشف اختلال ترتيبها؛ إذ أصبح ميزان الدرهم أدق في النفس من ميزان الصلاة، وصارت العناية بقشرة الحياة أعظم من العناية بروحها.

وهنا يبدأ العمى؛ فحين تستغرق الحضارة في قراءة المادة، وتغفل عن سنن الله، تتحول كثرة المعلومات إلى حجاب يحول بينها وبين الحكمة. فلا يعود الإنسان يرى إلا طريقًا واحدًا، لأنه حبس بصره في عالم الشهادة، وغفل عن مدد الغيب الذي يفيض على المؤمنين.

ومن هنا نفهم أن القرآن لا يطلب منا ترك الأسباب، وإنما يرفض أن تتحول الأسباب الظاهرة إلى سجنٍ للعقل، أو أن يصبح الظاهر آخر ما تصل إليه البصيرة.
ثانيًا: المجاهدة... الجسر الذي يفتح وفرة السبل

إذا كانت سورة الروم قد كشفت سبب العمى، فإن سورة العنكبوت ترسم طريق الخروج منه. ولهذا لم يكن ختامها وعدًا بالنصر المباشر، ولا بالتمكين العاجل، وإنما كان وعدًا بالهداية:
﴿وَالذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ لَمَعَ اَ۬لْمُحْسِنِينَۖ﴾[العنكبوت69]


إنها آية تنقل المؤمن من سؤال: كيف أغيِّر الواقع؟ إلى سؤال أعمق: كيف أستحق هداية الله إلى الطريق؟

ولذلك جاءت كلمة ﴿سُبُلَنَا﴾ بصيغة الجمع؛ لتعلن أن من حبس نفسه في الأسباب الظاهرة لا يرى إلا طريقًا واحدًا، أما من صدق في مجاهدته لله، فإن الله يفتح له من السبل ما لا يخطر له على بال.

ولهذا المعنى أشار القشيري رحمه الله حين بيَّن أن الانغماس في الدنيا يحجب القلب عن الآخرة، وأن الاشتغال بما يفنى يحول بين العبد وبين ما يبقى؛ فالمجاهدة ليست مجرد احتمالٍ للمشقة، بل هي تحريرٌ للقلب من سلطان الظاهر، حتى يصبح أهلًا لأنوار الهداية.

وهنا يلتقي ختام العنكبوت مع مطلع الروم في بناءٍ بديع؛ فالغفلة عن الآخرة هي التي حصرت الإنسان في ظاهر الحياة الدنيا، أما المجاهدة في الله فهي التي ترد القلب إلى وجهته، فيبصر من سنن الله ما لا يبصره المحجوبون بالمادة.

---

ثالثًا: من سجن الندرة إلى وفرة السبل

هنا تتجلى إحدى السنن القرآنية الكبرى؛ فالهزيمة تبدأ حين يظن الإنسان أن ما يراه هو كل ما يمكن أن يكون.

وهذا ما يُعبَّر عنه اليوم بـ "عقلية الندرة"؛ إذ يتعامل الإنسان مع الواقع وكأن موارده محدودة، وأبوابه معدودة، فإذا أُغلق باب، أيقن أن كل الأبواب قد أُغلقت.

أما القرآن فيربي المؤمن على وفرة السبل؛ لا لأنه ينكر الأسباب، ولكن لأنه يربطها برب الأسباب.

ومن أبدع ما نُقل في هذا المعنى ما أورده الآلوسي عند قوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ إذ قال:

««فِي التَّعْبِيرِ بِـ"السُّبُلِ" إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ مَجَالِ الْخَيْرِ، وَأَنَّ مَنْ عَمِيَ عَنْ طَرِيقٍ فِي الظَّاهِرِ، فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بِمُجَاهَدَتِهِ أَلْفَ طَرِيقٍ فِي الْبَاطِنِ وَالْغَيْبِ».»

وهذا هو الفارق بين من ينظر بعين المادة وحدها، ومن ينظر بنور الوحي؛ فالأول يرى انسداد الطريق، والثاني يرى بداية فتحٍ جديد.

ولذلك لم يكن وعد الله للمجاهدين أن يرفع عنهم كل العقبات، وإنما أن يهديهم إلى السبل التي تعبر بهم تلك العقبات. ومن هنا تبدأ السيادة؛ إذ لا يصبح الإنسان أسيرًا لما يراه، بل أمينًا على ما وعد الله به.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للانتقال من سجن الندرة إلى وفرة السبل؛ فالمشكلة لم تكن يومًا في قلة الأبواب، وإنما في ضيق البصيرة.

رابعًا: علاج الغثائية... ردم الفجوة بين العلم والعمل
ولا يقف القرآن عند تشخيص الداء، بل يكشف جذره؛ فليست الغثائية نقصًا في المعلومات، وإنما انفصالٌ بين العلم والهداية، وبين معرفة الوسائل ومعرفة الغايات.
ولهذا يقول الإمام ابن عطية:
«كُلُّ مَا يُعْلَمُ بِأَوَائِلِ الْعُقُولِ فَهُوَ الظَّاهِرُ، وَمَا يُعْلَمُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ فَهُوَ بَاطِنٌ».
وهذا يفسر لنا سر اقتران مطلع الروم بخاتمة العنكبوت؛ فالمؤمن لا يُطالب بمجرد تحصيل المعارف، وإنما بأن يرتقي من ظاهرها إلى باطنها، ومن صورة السبب إلى سنته، ومن حركة الكون إلى مُدبِّر الكون.
ومن هنا كانت الصلاة والذكر - اللذان سبق الحديث عنهما في سورة العنكبوت - أعظم وسائل تحرير العقل من أسر المادة؛ فالقلب الذي يكثر من ذكر الله لا يستسلم لسطوة الواقع، لأنه يرى في كل سبب يدًا تدبره، وفي كل ابتلاء حكمةً تسوقه، وفي كل انسدادٍ وعدًا بفتح جديد.
إن الوهن يبدأ حين يصبح الواقع هو المرجع الأعلى، وتنتهي السيادة حين ينقطع القلب عن الغيب. أما المؤمن، فإنه يجعل الوحي ميزانًا يقرأ به الواقع، لا الواقع ميزانًا يحاكم به الوحي.

خاتمة: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾... بداية التحرر
ولذلك يختم هذا المقطع بنداء يهز العقول قبل القلوب:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
فالتفكر الذي يدعو إليه القرآن ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو عبورٌ من ظاهر الأشياء إلى حقائقها، ومن أسر المشهود إلى سعة الموعود.
إن الإنسان قد يحسن قراءة الأرقام، ويخطئ قراءة السنن؛ وقد يدرك حركة الأسواق، ويغفل عن حركة الأقدار. فإذا وقع ذلك عاش في سجن الندرة، يظن أن الخير ينفد بانقطاع سبب، وأن المستقبل يتحدد بما في اليد.
أما من جاهد في الله، وأحسن التفكر في آياته، فإنه يعبر إلى وفرة السبل؛ حيث لا يرى الواقع نهاية الإمكان، بل بداية البحث عن بابٍ جديد يفتحه الله، مصداقًا لوعده الكريم:
﴿وَالذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ لَمَعَ اَ۬لْمُحْسِنِينَۖ﴾[العنكبوت69]
وهكذا يلتقي ختام العنكبوت بمطلع الروم في قانونٍ قرآني بديع: الغفلة عن الآخرة تحبس الإنسان في ظاهر الحياة، والمجاهدة في الله تهديه إلى سعة السبل. وبين هذين المقامين تتحدد بداية النهضة؛ إذ تنتقل الأمة من الارتهان للأسباب إلى الائتمان على رب الأسباب، ومن سجن الندرة إلى وفرة السبل، ومن أسر الظاهر إلى سيادة البصيرة.




كتبه: حسان الحميني

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.