﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ…﴾
التمهيد: فِيزياءُ القِوَامِ الناهض
لماذا تنهار بعض المشاريع الحضارية رغم لمعانها المادي؟ يضعنا قلب سورة النور أمام الحقيقة؛ فالوجود ليس مجرد كتل صلبة، بل هو مَنظومة يمنحها الضياء الإلهي قوامها. النهضة لا تقوم بمجرد رصّ عالم الأشياء، بل بعملية سَبْكٍ مَركبة لعوالم ثلاث الأفكار والأشخاص والأشياء، وهي في ذلك تَرْبط بين الفطرة والوحي. إن هذا الثُمن ينقلنا من آداب البيوت إلى مَصْدَر النور؛ ليعلمنا أن السيادة تبدأ من استعادة قِوَام النور في الفرد ليكون مِشكاة تضيء مَسار الأمة.
1. سُلْطَانُ القِوَامِ وحَقِيقَةُ التَّجْلِيَة
النور هو نظام تشغيل الوجود الذي يمنعه من الانهيار. وبحسب القاضي ابن عطية الأندلسي، فإن النور هو سرُّ البقاء والصلاح؛ حيث يقول: «أراد {الله} ذو {نور السماوات والأرض} أي بقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول: الملك نور الأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها». فالنور هو الذي يَرْتق أجزاء الكون ويجعل مصنوعات الخالق قائمة بانتظام.
2. هَنْدَسَةُ الوِعَاءِ السِّيَادِي: مِعْمَارُ القَلْب
لكي يستقر النور لا بد من وعاء يجمعه ويحفظه. ويشرح ابن القيم رحمه الله هندسة الحَبْكِ القلبي الذي يجمع بين القوة والرحمة والوضوح كشروط أساسية للعمران البشري؛ حيث يقول: «شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها. وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه.. وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى ويتصلب في ذات الله تعالى». فهذا السَّبْك الفريد بين الرقة والصلابة هو الذي يحمي شعلة الوعي من الاحتناك الخارجي.
3. سَبْكُ نُورٌ عَلَى نُور: حِينَ يَتَصَادَقُ العَقْلُ والنَّقْل
السيادة المَعرفيّة هي حُدوث الِانطباق الوجودي بين جهد الإنسان وفضل الرب. وبحسب القشيري رحمه الله، فإن هذا الِانصهار هو ذروة الإشراق؛ حيث يقول: «{نُّورٌ عَلَى نُورِ}: نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونور وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم، أو عيان أضافه إلى بيانهم». ويؤكد الطبري رحمه الله أن هذا الِالتحام هو الذي يُقيم الحُجة؛ حيث يقول: «فنور المصباح نور الوحي، والزيت نور الفطرة، فاجتمعا في قلب المؤمن فصار نوراً على نور.. أن حُجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر».
4. تَسَامي الرِّجَال ضِدَّ سَرَابِ الِارْتِهَان
النهضة يحملها رجالٌ تحرّروا من لجام السوق (...رِجَالٞ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اِ۬للَّهِ…) ليعتصموا بعالم الأَمْر والذكر. ومَن فَقَدَ هذا الوصل، تحولت أعماله إلى سراب؛ وهو تلاشٍ مَركب ينتهي بالعطش الوجودي. إن السيادة هي ألا تلهيك لغة الأرقام عن فَيْض الضياء الذي يمنحك بصيرة رؤية يده في ظلمات الفتن.
الخاتمة:
إن التخلف عتمة مَركبة تُركم الظلمات على ظلمات حتى يعجز الإنسان عن رؤية أقرب وسائل سعيه، والنهضة هي استعادة التجْلِيَة لكل حقائق الوجود. لا تكن سجيناً لسراب المظاهر، بل كن مِشكاة تَرْتق بنورها فجوات الواقع. وعندما ينسكب نور الوحي على زيت فطرتك الصافية، ستتحول حياتك من ضيق الاحتناك إلى سعة الاستبصار، وتصبح بأعمالك وذِكْرِك نُوراً يمشي في الناس، وكذلك شهدت أمنا عائشة رضي الله عنها على رسولنا صلى الله عليه وسلم، موصولاً بالحي القيوم الذي له مُلك السموات والأرض.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
