استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

هندسة الدعوة: المقال 9 الأخير: القدوة والصبر والدعاء: إتمام البناء وتفويض الأمر


مقدمة: ما بعد الحوار - ترسيخ الأثر

على مدى المقالات السابقة، قمنا بمساعدة الأخت "حليمة" على الانتقال من حماس النية إلى حكمة المنهج. تحولنا من "المدخل المعلوماتي" المباشر إلى تشخيص مفاهيمي عميق، ثم استخدمنا "التعاطف" لبناء الجسور، و"الأسئلة الذكية" لهندسة حوار، وتناولنا تحدي المفاهيم المتكلسة والمحاذير التي يجب تجنبها. والآن، نصل إلى الخاتمة العملية التي لا تكتمل "هندسة الدعوة" إلا بها: أركان ترسيخ الأثر وتثبيته، وتفويض النتائج إلى مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.

هذه الأركان الثلاثة هي القدوة الحسنة التي تترجم الأقوال إلى أفعال، والصبر الجميل الذي يضمن استمرارية الجهد، والدعاء الصادق الذي يربط الأسباب بمسببها. هذا المقال الختامي يسلط الضوء على هذه الأركان لإتمام البناء.

1. القدوة الحسنة: الحجة الصامتة
بعد كل الحوارات والنقاشات، تظل القدوة العملية هي الحجة الأقوى والأكثر تأثيرًا. فالناس قد يقتنعون بالفكرة عقلًا، لكنهم يتأثرون بالنموذج قلبًا. على الأخت حليمة أن تدرك أن شخصيتها وسلوكها هما أهم رسالة دعوية تقدمها لجارتها.

تجسيد المفاهيم السليمة: يجب أن ترى الجارة في حليمة تجسيدًا حيًا للمفاهيم التي تدعو إليها. أن ترى فيها المحجبة الأنيقة، المثقفة، المنفتحة، ذات الأخلاق العالية، السعيدة في حياتها. هذا النموذج العملي هو أقوى تفكيك للمفاهيم المشوهة التي قد تحملها الجارة عن الحجاب.

الاتساق بين القول والعمل: عندما ترى الجارة اتساقًا بين ما تقوله حليمة في حواراتها الهادئة وبين سلوكها اليومي، تزداد الثقة والمصداقية. القدوة هي التي تحول "المفاهيم" النظرية إلى "قيم" معاشة.

التأثير بالحال لا بالمقال: أحيانًا يكون التأثير الأبلغ هو التأثير الصامت. استمرار حليمة في حسن جوارها، وابتسامتها، ومساعدتها، وأخلاقها، قد يكون له أثر في قلب جارتها يفوق أثر كل الكلمات.

2. الصبر الجميل: استثمار طويل الأمد
إن تغيير المفاهيم الراسخة يشبه زراعة شجرة، لا يحدث بين عشية وضحاها. لقد رأينا كيف أن الإمام ابن باديس قضى ربع قرن في "هندسة" مفاهيم أمة. لذلك، يجب على حليمة أن تتحلى بالصبر الجميل.

الصبر على بطء النتائج: قد لا ترى أثرًا فوريًا. عليها أن تدرك أن البذور التي تزرعها في العقل والقلب قد تحتاج إلى وقت طويل لتنبت وتنمو.

الصبر على استمرارية العلاقة: يجب ألا تكون علاقتها بجارتها مشروطة بالاستجابة. الصبر يعني الاستمرار في الصداقة وحسن الجوار والتقدير حتى لو لم ترتدِ الحجاب، لأن الهدف الأسمى هو الدعوة إلى الله.

الصبر على النفس: قد تخطئ حليمة في أسلوبها أحيانًا، أو قد تشعر بالإحباط. الصبر هنا يعني أن تراجع نفسها، وتصحح مسارها، وتجدد نيتها، وتستمر في المحاولة دون يأس.

3. الدعاء الصادق: ربط الأسباب بمسببها
بعد الأخذ بكل الأسباب المنهجية، يأتي الركن الأخير والأساسي الذي يكلل كل جهد: الدعاء وتفويض الأمر لله.

إدراك أن الهداية بيد الله: هذا المفهوم العقدي هو أساس الطمأنينة للداعية. دورنا هو البلاغ المبين والسعي الحكيم، والنتيجة من عند الله.

الدعاء كسلاح أساسي: يجب على حليمة أن تجعل من الدعاء الصادق لجارتها بظهر الغيب جزءًا لا يتجزأ من خطتها الدعوية. فالدعاء يفتح الأبواب المغلقة، ويلين القلوب القاسية، ويأتي بالتأييد الإلهي.

تحقيق العبودية: بالدعاء، تحقق حليمة العبودية لله، وتتبرأ من حولها وقوتها إلى حول الله وقوته، وهذا يجعل عملها أكثر بركة وإخلاصًا.

خاتمة: من حماس النية إلى حكمة المنهج... والعودة إلى صدق النية
هكذا تكتمل دائرة "هندسة الدعوة". لقد انطلقنا من "حماس النية الطيبة" لدى الأخت حليمة، ومررنا بها عبر مسار منهجي لـ "حكمة المنهج" (التشخيص، التعاطف، الحوار، مواجهة التحديات، الوعي بالمحاذير). وفي النهاية، نعود مرة أخرى إلى جوهر الأمر: صدق النية الذي يتجلى في القدوة الحسنة، والصبر الجميل، والدعاء المخلص.

إن الداعية الحكيم هو من يجمع بين الأمرين: يأخذ بأسباب "هندسة المفاهيم" و"هندسة الحوار" بأقصى ما يستطيع من علم ومهارة، ثم يكلل كل ذلك بالصبر والقدوة والدعاء، مفوضًا النتائج لمن بيده ملكوت كل شيء. وبذلك، تتحول الدعوة من مهمة ثقيلة إلى رحلة ممتعة من السعي والبذل والتوكل، تكون نتائجها كلها خيرًا بإذن الله.
ونلتقي الأسبوع القادم مع حالة جديدة لكنها واقعية وتنير لنا دروب تناول من زوايا جديدة.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.