استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

الدين القِيَم : هوية الاستقامة في زمن العبث


في لحظة المصب حيث تلتقي خواتيم الأنعام بفواتح الأعراف، يضع القرآن حداً لرحلة طويلة من مقارعة الشرك، ليعلن البيان الختامي. إنه يقابل بين نموذجين: نموذج التفرق للذين ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾، ونموذج القوامة والتوحد في قوله ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. هذا المقال يقرأ في الهوية الجامعة للناهض، مبيناً أن الدين ليس طقوساً هامشية، بل هو نظام قِيَم يدير الحياة، وعقلية حنيفية تكسر جمود العادات، وتسليم مطلق لله في المحيا والممات.

الآية العمود: الهوية الجامعة.. ملة إبراهيم

إن الآية التي تلخص المرجعية العليا للناهض وتضبط هويته هي قوله تعالى: 
﴿دِيناٗ قَيِّماٗ مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاٗۖ وَمَا كَانَ مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ﴾ (163)
هنا نعود إلى الجذر. الدين ليس اختراعاً جديداً، بل هو إحياء لـ ملة إبراهيم.
وينقل البقاعي رحمه الله عن الحرالي تعريفاً مذهلاً للملة يخرجها من دائرة التقليد إلى دائرة الثورة العقلية، فيقول:
«والملة: ما أظهره نور العقل من الهدى في ظُلَم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا... ولذلك قال: {حنيفاً} أي ليناً هيناً سهلاً قابلاً للاستقامة لكونه ميالاً مع الدليل، غير جاف ولا كز واقف مع التقليد».
فحقيقة التدين ليست في الجمود على العادات البالية، بل في نور العقل الذي يميل مع الحق والدليل حيث دار. الناهض (الحنيف) يملك مرونة ذهنية تحرره من يبوسة التقليد الأعمى، وتمنحه صلابة المبدأ.

هندسة القيمة: بين الاستقامة والإدارة

وصف الدين بأنه ﴿قِيَمًا﴾ (وفي قراءة: قَيِّماً) يحمل دلالات العمود الفقري.
ويفكك ابن عطية رحمه الله هذا اللفظ موضحاً أن معناه: «مستقيماً معتدلاً»، ويشير إلى أصل الاشتقاق من القيام والقيومية.
فالدين القِيَم هو الذي يقوم على شؤون الحياة فيصلحها (سياسة، اقتصاداً، اجتماعاً)، وهو الذي يمنح الحياة قيمة ومعنى. إنه ليس ديناً منزوياً في المعابد، بل هو نظام تشغيل يضبط حركة الكون والإنسان.

التوحيد الشعوري: انسداد الطرق لغير الله

كيف يتحقق هذا التوحيد في القلب؟
يضع القشيري رحمه الله ميزان التوحيد الخالص قائلاً:
«لا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى سواه... ومن سلك إلى مخلوق سبيلاً وأبرم فيهم تأميلاً... جُرِّعَ تضليلاً».
فالهداية للصراط المستقيم تعني أن يتيقن القلب أنه لا فاعل في الوجود إلا الله، فتنقطع الآمال من الأغيار.
ويعرف القشيري الدين القيم بأنه التوازن الدقيق: «ما لا نفي فيه للفَرْقِ الذي يشير إلى العبودية [العمل بالأسباب]، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية [التعلق بالمسبب]».

الاستيعاب الكلي: محياي ومماتي

في مقابل الذين جزّأوا الدين ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾، يأتي الإعلان الشامل في الآية التالية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾.
إنها نهاية العلمانية الشعورية. لا توجد منطقة محايدة في حياة المسلم. نبضات قلبه، وحركته في السوق، وصلاته في المحراب، وحتى لحظة موته.. كلها باقة واحدة مهداة لرب العالمين.

الخاتمة: المبادرة قبل المباغتة

بينما ينتظر الغافلون المعجزات ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يبادر الناهض بالعمل ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنه يدرك -كما في مطلع الأعراف- أن سنة الله هي مباغتة القرى الغافلة ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾. فالنجاة في المبادرة، والهلاك في الانتظار.


كتب حسان الحميني،



ما شاء الله تبارك الله 

مقال في فقه مركزية اللقاء بين السورتين العظيمتين!!

الأنعام والأعراف!!

تعالجان، كل من محورها الخاص، وبمكوناتها الخاصة والمشتركة معا:
قضايا الفرد الإنساني الوجودية الكبرى!!
وقضايا المجتمعات!!

فما تكون القضايا التي يعبر القرآن بها بين السورتين!؟؟
ذلكم موضوع هذا المقال الرفيع لأستاذنا حسان الحميني 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.