استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

دستور السيادة: (الخَلْق والأمْر) في مواجهة (نشاز الإفساد): (قراءة في التناغم الكوني ومسؤولية الإنسان)


بعد مشهد الفصل في الآخرة على "الأعراف"، ينقلنا السياق القرآني إلى "غرفة القيادة العليا" للكون، حيث العرش والتدبير. هذا الثمن الخامس من الحزب السادس عشر يضع "الدستور الشامل" للوجود، مبيناً أن هذا الكون ليس آلة صماء تعمل وحدها، بل هو مملكة تدار لحظة بلحظة بأمر مليك مقتدر. هذا المقال يقرأ في التناغم المذهل بين "نظام الكون" و"شريعة الله"، وكيف يكون الإفساد في الأرض "نشازاً" قبيحاً يكسر هذا التناغم.

الآية العمود: الدستور الشامل.. "ألا له الخلق والأمر"
إن الآية التي تمثل "مركز الثقل العقدي" وتضع قانون السيادة المطلقة هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اُ۬للَّهُ اُ۬لذِے خَلَقَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ فِے سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ اَ۪سْتَو۪يٰ عَلَي اَ۬لْعَرْشِۖ يُغْشِے اِ۬ليْلَ اَ۬لنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثاٗ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۢ بِأَمْرِهِۦٓۖ أَلَا لَهُ اُ۬لْخَلْقُ وَالَامْرُۖ تَبَٰرَكَ اَ۬للَّهُ رَبُّ اُ۬لْعَٰلَمِينَۖ﴾ (53)
يشرح البيضاوي رحمه الله مشهد الاستواء بلمسة إدارية سياسية، فيقول:
«عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة... ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال: {ألا له الخلق والأمر}».
ويفكك البقاعي رحمه الله هذه الثنائية (الخلق والأمر) مبيناً شموليتها:
«{الخلق} وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير... {والأمر} وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام كالأديان».
فالله له "عالم المادة" (الخلق/الفيزياء)، وله "عالم المعنى" (الأمر/الوحي). والناهض هو الذي يوحد المصدر، فلا يفصل "السنن الكونية" عن "السنن الشرعية".

سيمفونية الوجود: الكون "المسلم"
كيف يبدو الكون في ظل هذا التدبير؟
يصوره سيد قطب رحمه الله كـ "موكب عابد" يتناغم مع خالقه، فيقول:
«إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً».
كل ذرة في الكون (شمس، قمر، ليل يطلب النهار حثيثاً) تسبح في فلك الطاعة. وحين يطيع الإنسان "الأمر الشرعي"، فإنه يلتحق بهذا الموكب الكوني، ويتحول من كائن "ناشز" إلى كائن "متناغم" مع الوجود.

قانون العمران: لا تفسدوا ما أصلحه الله
بناءً على هذه الرؤية، تأتي القاعدة الذهبية للعمران في الآية : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
الأرض ليست "غابة" متروكة، بل هي "مشروع تم إصلاحه" وتمهيده لاستقبال الحياة.
ويربط سيد قطب بين مشهد الخلق وهذا النهي، مبيناً أن الأرض مُهدت وسُخرت بنواميس الله، فدور الإنسان هو "الحفاظ" و "البناء" على هذا الصلاح الرباني. الإفساد (بالشرك، بالظلم، بتلوث البيئة) هو "تخريب" لعملية إصلاح سابقة، واعتداء على "بيئة جاهزة" سلمها الله لنا أمانة.

الخاتمة: أدب الطلب
أمام عظمة العرش ودقة التدبير، لا يليق بالإنسان إلا مقام واحد حددته الآية : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. إنه مقام الذل والاستكانة لمالك الخلق والأمر، ليكون العبد أهلاً لتلك الرحمة التي كُتبت للمحسنين.


كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.