استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

اليمن: ورشة تشليح أم معمل وطن؟


ثلاثُ ساعاتٍ كانت كفيلة بأن تفتح افقاً، وتوقظ وعيًا . سردٌ لتاريخ بلدٍ أنهكته الصراعات، ونخره الفساد، وقُدِّم – قولًا وواقعًا – كورشة تشليح: قطعٌ متفرقة، مبعثرة، لا ترقى إلى مستوى المنتج المتكامل. هكذا وصف ضيف بودكاست يمانيون، الإعلامي الحر علي صلاح، في حواره مع بشير الحارثي، حال اليمن… وهكذا شعرت.
دفعتني هذه المقابلة إلى كتابة هذه السطور؛ بقدر ما بثّت فيَّ من انتماء عميق لهذا الوطن، وبقدر ما أشعلت في داخلي روحًا ثورية متمردة على واقعٍ مأزوم، رافضة لمساراته، وبقدر الأمل الذي انبعث حتى كدت أرى أول خيوط النسيج الوطني تتشكّل من تداعي هؤلاء المُلهِمين. أولئك الذين سيكون لهم،  قولٌ فصل في هذه المرحلة الحرجة؛ عبر مراجعات شجاعة، وشهادات على العصر، تُقدَّم فيها الذاكرة للتعلّم والاعتبار، لا للمحاكمة أو التنصل من المسؤوليات، ولمعرفة أين كانت العثرات والمنعطفات ومفترقات الطرق… حيث بدأت أولى مراحل التيه الذي نعيشه اليوم.
اليمن تزخر بقيادات وطنية، في الداخل والخارج. قيادات لو رفعت صوتها، وتوحدت كلمتها، ووجّهت بوصلتها نحو مشروع وطني جامع، لتدفّق الشعب حاملًا هذا المشروع ومدافعًا عنه. لكن حين خفت صوت الأحرار، وسُلِّمت قيادة الدولة لهياكل هشة، ومجالس تتآكل حتى تُسلب إرادتها وقرارها، أصبح الوطن بلا رأسٍ يقوده ولا رؤيةٍ تجمعه.
هكذا تحوّلنا، تمامًا، إلى ورشة تشليح: كلٌّ منا يمتلك قطعة، نبيع، ننافس، نتصارع، لكننا لا نتكامل. نعيش – من حيث ندري أو لا ندري – على الخراب، ونُطيل عمره بدل أن نُنهيه.
إن الأزمات المتكررة التي نعيشها ليست ابتلاءً في دالة لا نهائية من المعاناة، كما يحلو للبعض أن يبرّر العجز. إنها، في حقيقتها، لحظة تاريخية لإعادة التشكّل، ومناسبة للمراجعة، وفرصة لإنضاج وعي جديد بملامح وطنية صلبة. وعيٌ تتهاوى أمامه المسلّمات القديمة، ويحوّل البلاء إلى اعتبار، والخسارة إلى درس، والدعوة إلى تغيير المسار لا التعايش مع الانهيار.
ما نقوله هنا ليس حلمًا طوباوياً، ولا هندسة في الفراغ. التاريخ شاهد على أممٍ خاضت حركات تحرر وطني، وانتقلت من قاع الانكسار إلى مصاف الدول المؤثرة في العالم. الصين مثالًا لا حصرًا: بلدٌ فتكت به الأوبئة، واستُعمِر، وفُرضت عليه تجارة الأفيون من قِبل قوى كبرى، حتى بلغ عدد المدمنين فيه عشرات الملايين، فضلًا عن الحروب الأهلية، والفقر المدقع، والمجاعات المتتالية. ومع ذلك، لم تنقذه المعجزات، بل أنقذته الإرادة الوطنية، فنهض من حافة الانهيار إلى قمة الاقتصاد والتكنولوجيا. فهل نعتبر؟
هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تبقى اليمن ورشة تشليح… أم تتحول إلى معمل وطن؟
نحن بحاجة إلى معمل وطني، لا يبيع القطع المتناثرة، بل يعيد تركيبها في جسدٍ واحدٍ فعّال، يخدم الجميع ويعمل لصالح الكل. معملٌ له  سوفت وير وهاردوير:
السوفت وير: روح ثورية متقدة، وهوية وطنية جامعة، وإرادة صلبة لا تقايض السيادة بالمصالح الضيقة.
الهارد وير: أدوات واعية تتمثل في نخب فكرية حرة، وإعلام وطني مسؤول، ونظام تعليمي يعيد هندسة الإنسان، بوصفه امتدادًا لقوله تعالى: «وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ»، لا كقوة غاشمة، بل كوعي، وانضباط، وبناء.
ختامًا، قد تكون هذه فرصتنا الأخيرة: أن ندعم فكرة المعمل الوطني، وأن نشارك في هندسته وتصميمه، لأنه وحده القادر على لَمّ شتات الداخل والخارج، وربط الماضي بالحاضر، وتحديد الاتجاه نحو المستقبل.
أما البقاء في ورشة التشليح، فلن ينتج إلا مزيدًا من القطع… ومزيدًا من الخراب.


✍🏻أوسان محمد



رابط البودكاست

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.