استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

محاضرة: المفاهيم عند الناهض



**بسم الله، أيها الأحبة، أيها الشباب الناهض بقلبه وعقله وجوارحه… **محاضرة: المفاهيم عند الناهض
————————-
لكل شيء بداية
و سأبدأ بقصة شخصية، كانت هي شرارة رحلتي في هذا العالم الذي سنتحدث عنه.
منذ سنوات، كنت قد أعددت عرضاً تقديمياً صغيراً، نسميه في الحركة التي أنشط فيها ومضة تكوينية نعرضها في كل الهيئات المسيرة تقريبا، وأول من عرضت عليه هو ابني. عرضت عليه شريحة جبل جليدي، فوق الماء كتبت السلوك الظاهر، وتحت الماء، في الجزء الغارق الأكبر، كتبت كلمات مثل المعتقدات، القيم، المفاهيم، المواقف

نظرت إليه منتظراً إعجابه. لكنه، بكل بساطة، قال: *"يا أبي، كل كلمة من هذه الكلمات التي تحت الماء تحتاج إلى محاضرة لوحدها!"*.

كانت كلماته، كـكشف. لقد أدركت أنني كنت أشير إلى قارات معرفية شاسعة من بعيد. ومنذ ذلك اليوم، أيها الأحبة، بدأت رحلتي في تتبع تلك الكلمة الأعمق: المفاهيم.

محاضرتنا اليوم هي خلاصة مكثفة لتلك الرحلة. هي محاولة للإجابة على سؤاله، ومشاركة لكم لما وجدته في أعماق ذلك الجبل الجليدي ولازلت قريبا من السطح، لنكتشف معاً كيف أن هذه الوحدات الصغيرة تحمل في طياتها سر نهضة الأمم أو سقوطها.

---

*المحور الأول: ما هو المفهوم؟ - *

إذن، ما هو هذا المفهوم الذي يقبع في أعماقنا؟ وأدعي بأنه يكون شخصيتنا،
الفكرة الخاطئة هي أنه مجرد كلمة أو تعريف، أو كما يحلو للبعض أن يخلط بينه وبين المصطلح. لكن الحقيقة، كما يكشفها لنا العلم الحديث، هي رحلة مدهشة تبدأ من أجسادنا تتدفق عبر جهازنا العصبي أو مسالك الدم وتنتهي في غرفة القيادة في عقولنا.

لنتخيل معاً هذا المشهد بالعرض البطيء: طفل صغير يرى النار لأول مرة (هذا هو المثير) الحافز.

الخطوة الأولى: العاطفة (رسالة الجسد الصامتة)
قبل أن يفكر، يتفاعل جسده. إذا لمسها، يشعر بالألم. يحدث في جسده تغير فوري. هذه العاصفة الجسدية الصامتة هي ما يسميه العلماء العاطفة. إنها رسالة عصبية هرمونية من الجسد تقول: خطر!.

الخطوة الثانية: الشعور (ولادة الخريطة)
بعد ذلك، يقوم الدماغ بقراءة هذه الرسالة الجسدية، ويرسم لها خريطة عصبية. هذه الخريطة التي تظهر على شاشة وعيه هي ما نسميه الشعور. الآن، الطفل يشعر بالخوف والألم. لقد تكونت لديه السيرة الذاتية الأولى عن النار.

الخطوة الثالثة: التعزيز (ربط الخريطة بالذاكرة)
في المرة الثانية التي يرى فيها النار، يستدعي دماغه فوراً خريطة التجربة الأولى من مخزون الذاكرة. ثم يأتيه التعزيز من الخارج: أمه تصرخ نار! خطر!. أو كما في دارجتنا فوفو فيتم ربط الكلمة (نار) بـالخريطة العصبية للألم والخوف.

الخطوة الرابعة: الاستقرار (المفهوم يسكن الناصية)
مع التكرار والتعزيز، لم تعد هذه التجربة مجرد شعور عابر. لقد تحولت إلى مفهوم راسخ ومستقر، أشبه بـبرنامج تم تثبيته في غرفة القيادة (الناصية). والآن، لم يعد الطفل بحاجة للمس النار. بمجرد أن يراها، يعمل برنامج الخطر تلقائياً، وتصدر الناصية قرارها الفوري: ابتعد!.
الخلاصة: نحن لا نفكر بمفاهيمنا، بل نحن نفكر من خلالها. هي النظارات التي نرى بها العالم. هي عدساتنا والناهض الحقيقي لا يكتفي بارتداء أي نظارة تُعطى له.
*المحور الثاني: الناهض كـ مهندس مفاهيم *

وهنا نصل إلى قلب محاضرتنا. إذا كانت المفاهيم برامج تُبنى فينا، فهذا يضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما:
*1. المستهلك السلبي: وهو من يقبل البرامج التي تبثها البيئة دون وعي أو نقد. هو يعيش حياته بـبرامج لم يخترها، وربما عبد النار وجثا لها ساجدا كما سجد آزر، *
2. المهندس الواعي (الناهض): وهو من يدرك أنه يملك صلاحيات المدير على عقله. هو يدرك أن بإمكانه تفكيك هذه البرامج، وفحصها، وإزالة الفيروسات منها، وبناء برامج جديدة.
يكتشف نارا فيسخرها لخدمته، ويديب الحديد يصنع سلاحه وآلاته.

كيف تصبح مهندساً؟ عبر تفعيل غرفة القيادة في عقلك.
القرآن يسميها الناصية. وعلم الأعصاب يثبت أنها مركز التحكم و ضبط النفس. والخبراء يسمون ساحة عملها المساحة بين المثير والاستجابة.

في تلك الثانية الحاسمة، بين ما يحدث لك وما ستفعله، هنا تعمل الناصية. الناهض هو من يتدرّب على توسيع هذه المساحة، فلا يكون مجرد رد فعل لما يحدث، بل يختار فعله بناءً على برامجه العليا التي بناها بنفسه.

والأداة الأقوى في يد المهندس هي القدوة. فكما أثبت العلم عبر خلايا المرآة، نحن لا نتعلم بالكلمات فقط، بل نُعدى بمن حولنا. أدمغتنا تحاكي أفعال ونوايا من نراهم. فاختر القدوات التي تريد أن تنسخ برامجها إلى عقلك. وكن أنت قدوة تبث برامج الخير لمن حولك.
فالناهض لا يكتفي بتسخير النار للعمران بل يعلم جيرانه ومحيطه فيتحكمون في مقود العمران.
---
نكثة تذكرة ومتاعا للمقوين، يقول البقاعي رحمه الله :
 *"{ومتاعاً} أي إنشاءً وبقاءً وتعميراً ونفعاً وإيصالاً إلى غاية المراد من الاستضاءة والاصطلاء والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس، وهروب السباع وغير ذلك، والمراد أنها سبب لجميع ذلك"*.


*الخاتمة: النهضة تبدأ بـ تحديث *
أيها الشباب الناهض،
إن نهضة الأمة لن تأتي بقرار فوقي، ولن تكون حدثاً ننتظره. إنها تبدأ من هنا (تشير إلى رأسك)، من غرفة الهندسة التي وهبنا الله إياها.

النهضة هي مجموع آلاف عمليات التحديث الصغيرة التي نجريها على برامجنا المفاهيمية كل يوم.
- تحديث مفهومك عن العمل من مجرد وظيفة إلى رسالة.
- تحديث مفهومك عن العائلة من مجرد واجب إلى مصدر للسكينة.
- تحديث مفهومك عن الذات من أنا ما كنتُه في الماضي إلى أنا ما أسعى لأكونه في المستقبل.

دعوتي لكم اليوم هي دعوة بسيطة: كن المهندس المعماري لوعيك. لا تسلم مفاتيح عقلك لأحد. فكك، انتقد، وابنِ. فإن بناء المفاهيم الصحيحة في عقل الناهض، هو حجر الأساس في بناء مستقبل أمة بأكملها.
فبناء المفاهيم بناء للمعتقدات والتصورات والمواقف.

اللهم اجعلنا من الناهضين الواعين، وهندس مفاهيمنا على ما تحب وترضى، واجعلنا قدوة صالحة لمن حولنا، ونوراً يهتدي به السالكون.

والسلام عليكم ورحمة الله.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.