استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

سلسلة 3: هندسة المفاهيم في الميدان: المقال الثالث: تحليل الفاعلين : العقل والنفس وديناميكيات العلاقات في "مسجد التبريد المفتوح"


مقدمة: من "ماذا" يُعتقد إلى "لماذا" يتصرفون هكذا؟

في المقال السابق، قمنا بتشخيص وتفكيك "الشبكة المفاهيمية" السائدة في حالة "مسجد التبريد المفتوح"، وافترضنا وجود مفاهيم حاكمة ومستترة وضعيفة تشكل مجتمعةً المناخ الفكري الذي ينتج السلوك الملاحظ. لكن المفاهيم لا توجد في فراغ، بل يحملها ويتفاعل معها أشخاص لهم تكوينهم النفسي، ودوافعهم الوجدانية، وموقعهم ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية.

لفهم أعمق للحالة وتمهيدًا لاقتراح حلول فعالة، نحتاج الآن للانتقال من سؤال "ماذا؟" (ما هي المفاهيم السائدة؟) إلى سؤال "لماذا؟" (لماذا يتصرف هؤلاء الفاعلون بهذا الشكل؟). هذا يتطلب منا تحليل ديناميكية الأنظمة الثلاثة (المفاهيمية، المعرفية، والوجدانية) لدى الفاعلين الرئيسيين، وفهم كيف تؤدي هذه الديناميكية إلى سلوكهم الحالي. في هذا المقال، سنقوم بتحليل نفسي واجتماعي موجز للفاعلين الثلاثة: القيّم، والمصلون الصامتون، والنخبة المتواطئة.

1. القيّم (الفاعل الرئيسي): ديناميكية المسؤولية والدفاع عن الذات

النظام المفاهيمي: كما افترضنا، القيم قد تهيمن لديه مفاهيم "التهوية الطبيعية" و"المسؤولية كصاحب قرار". يضاف إلى ذلك مفهوم تقديم الخبرة العملية على المعرفة التقنية؛ أي الاعتقاد بأن خبرته الطويلة في خدمة المسجد ومعرفته بما "يريح" المصلين، هي أسمى وأكثر موثوقية من أي معلومة تقنية حديثة حول كيفية عمل الأجهزة. هذه المفاهيم تشكل "الحقيقة" التي يرى بها الموقف.

النظام المعرفي: عندما تأتيه ملاحظة مخالفة (المكيف لا يعمل جيدًا مع النوافذ المفتوحة)، يقوم نظامه المعرفي بمعالجتها. لكن بدلًا من تحليلها كمعلومة تقنية مجردة، قد يقوم "بتأطيرها" من خلال مفاهيمه المهيمنة. قد يفسرها ليس كنصيحة، بل كـ "تحدٍ لسلطته" أو "تشكيك في أمانته".

النظام الوجداني (المحرك الأقوى هنا): هذا التفسير المعرفي يثير استجابة وجدانية قوية:

الشعور بالتهديد: الشعور بأن مكانته أو تقديره لذاته مهدد.

الغضب الدفاعي: الانفعال هو آلية دفاعية لحماية صورته عن نفسه وعن دوره.

الارتباط العاطفي بالعادة: قد يكون هناك ارتياح نفسي وعاطفي للوضع القائم يصعب التخلي عنه.

السلوك الناتج: المحصلة هي رفض المعلومة الجديدة (النصيحة) والانفعال للدفاع عن المنظومة المتكاملة من المفاهيم والمشاعر ومفهوم الذات.

2. المصلون الصامتون (الفاعلون المتواطئون): ديناميكية السلبية وتجنب الصدام

النظام المفاهيمي: تهيمن لديهم مفاهيم اجتماعية مثل "تجنب الفتنة"، "احترام الكبير"، وربما "اللامبالاة". قد يكون لديهم أيضًا نفس المفاهيم الخاطئة حول التهوية، أو قد لا يكون لديهم مفهوم واضح على الإطلاق.

النظام المعرفي: حتى لو أدرك بعضهم وجود خطأ ما، فإن نظامه المعرفي يقوم بعملية "حساب" للمخاطر والفوائد. يرى أن "تكلفة" المواجهة أو إبداء الرأي (احتمال حدوث خلاف، إحراج القيّم، الظهور بمظهر المثير للمشاكل) أعلى من "فائدة" تصحيح الوضع (توفير بعض الكهرباء، برودة أفضل قليلاً).

النظام الوجداني: المحرك الأساسي هنا هو الرغبة في السلام وتجنب المشاعر السلبية:

الخوف من المواجهة: القلق من الدخول في جدال أو خلاف.

إيثار الراحة النفسية: الشعور بالراحة في السير مع التيار وعدم تحمل مسؤولية التغيير.

ربما شعور بالعجز: "من أنا لأغير هذا الوضع؟".

السلوك الناتج: الصمت والتواطؤ السلبي. سلوكهم ليس بالضرورة موافقة على الخطأ، بل هو خيار وجداني يرجح كفة "الراحة وتجنب الصدام" على كفة "المسؤولية الجماعية وتصحيح الخطأ".

3. النخبة الصامتة (متقاعدو التعليم): ديناميكية الفصل بين المعرفة والمسؤولية

النظام المفاهيمي: هؤلاء يمثلون الحالة الأكثر إشكالية. لديهم (افتراضًا) المفاهيم المعرفية الصحيحة (حول الفيزياء والترشيد)، لكن هذه المفاهيم معطلة أو ضعيفة أمام هيمنة المفاهيم الاجتماعية التي ذكرناها (تجنب الفتنة، إيثار السلامة). والأخطر هو المفهوم المشوه لديهم عن "دور المعرفة"، والذي يفصلها عن التطبيق والمسؤولية.

النظام المعرفي: يحدث لديهم تنافر معرفي. هم يعرفون الصواب نظريًا، لكنهم يرون سلوكًا خاطئًا ويسكتون عنه. لحل هذا التنافر، قد يلجأ عقلهم إلى التبرير: "الأمر لا يستحق"، "القيّم رجل طيب ولن يتقبل"، "لن يغير رأيه"، "هذا ليس من شأني".

النظام الوجداني: قد يشعرون بمزيج من عدم الارتياح الداخلي، مع هيمنة الرغبة في الحفاظ على المكانة الاجتماعية وعدم الظهور بمظهر "المتعالم" أو "الذي يتدخل في كل شيء".

السلوك الناتج: الصمت الذي هو أكثر من مجرد سلبية، بل هو تخلٍ عن المسؤولية المعرفية والأخلاقية التي يفترض أن تترتب على علمهم.

خاتمة: من التحليل النفسي إلى التعاطف

إن تحليلنا لديناميكيات الأنظمة الداخلية للفاعلين يرينا أن المشكلة أعمق من مجرد "مفهوم خاطئ". إنها مرتبطة بمفاهيم الذات، والمشاعر، والمخاوف، والمصالح النفسية والاجتماعية. فسلوك القيّم ليس مجرد جهل، بل دفاع عن الذات. وصمت المصلين ليس مجرد لامبالاة، بل قد يكون خوفًا من الصدام. وصمت النخبة ليس مجرد تجاهل، بل قد يكون نتيجة لتنافر معرفي وتبرير للانسحاب من المسؤولية.

هذا الفهم يقودنا حتمًا إلى الخطوة التالية. فقبل تصميم أي حل، يجب أن ننتقل من التحليل البارد إلى التعاطف الحقيقي مع كل هؤلاء الفاعلين. كيف يمكننا أن نضع أنفسنا مكانهم لنفهم دوافعهم ومخاوفهم بعمق؟ هذا ما سنتناوله في المقال التالي، كمدخل ضروري لتصميم حلول إنسانية وفعالة.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.


دعم:

بصراحة أستاذ حسان، هذه الخطوة تحديدا من سلسلة علم المفاهيم، أحس بأنها ستكون بعون الله محل ولادة مجال جديد تماما:
قد يكون: التحليل النفسي-الإجتماعي..
أو تفكيك معوقات النهوض..
أو شبكة التواصل والتغيير....الخ

والأهم، أن ما تكتبونه هنا، ليس بناء على استيراد المجال من الغرب لتعريبه وتأثيثه بالمعطيات المحلية-كما يحدث عادة !!
بل تأسس على تراكم مستقل شاهده كل المقالات السابقة ..

وستظهر قوة كل ذلك، عندما توضع عينات أكثر عددا وتعقيدا من عينة المسجد وقصة التبريد (المعبرة بحق عن أزمة الإنسان العربي مع كل من العلم والثقافة والتواصل وتناغم الادوار)

فالادوار في مجتمع الفعالية والعدالة ،، تتجه نحو الدعم المتبادل لأجل تحسين الحياة وفهم الجديد، وتوزيع المسؤوليات..
أما في مجتمعات التحكم والسيطرة، فتتجه العلاقات دوما نحو المنافسة والتملك والإقصاء وعدم التواصل بوضوح ...مع جرعات مسبقة ومشبعة من سوء الظن المتبادل!!

أتمنى من القراء الكرام أخذ هذه المقالات بجد واهتمام أوسع

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.