استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

سلسلة 3 : هندسة المفاهيم في الميدان: المقال الرابع : المدخل التعاطفي: كيف نفهم "لماذا" قبل أن نقترح "ماذا"؟



مقدمة: ما وراء التحليل - الحاجة إلى التعاطف

في المقالين السابقين، قمنا بتشخيص الشبكة المفاهيمية السائدة في حالة "مسجد التبريد المفتوح"، ثم حللنا الديناميكيات النفسية والاجتماعية المحتملة للفاعلين فيها. قد يبدو هذا التحليل كافيًا للقفز مباشرة إلى اقتراح الحلول. لكن "هندسة المفاهيم" التي نسعى إليها ليست عملية ميكانيكية أو فكرية باردة، بل هي عملية إنسانية في جوهرها، تتعامل مع عقول وقلوب ومشاعر وواقع أناس حقيقيين.

لذلك، قبل أن نسأل "ماذا" يجب أن نفعل، يجب أن نتوقف ونسأل "لماذا" يفعلون ما يفعلون، ليس من منظور التحليل النقدي فقط، بل من منظور التعاطف . التعاطف، كأداة أساسية في التفكير التصميمي والعمل الإنساني، هو محاولة واعية لوضع أنفسنا مكان الآخرين، لنرى العالم من خلال أعينهم، ونشعر بما يشعرون به، ونفهم دوافعهم ومخاوفهم غير المعلنة. هذا المقال يهدف إلى تطبيق هذه الأداة على فاعلي حالتنا، كمدخل ضروري لتصميم حلول حكيمة وفعالة ومقبولة.

1. التعاطف مع "القيّم": ما وراء الانفعال

بدلًا من رؤيته كشخص "عنيد" أو "جاهل"، دعنا نحاول أن نضع أنفسنا مكانه:

عالمه ومسؤولياته: قد يكون رجلاً بسيطًا، قضى عمره في خدمة المسجد، ويشعر بانتماء عميق له. هذه هي مملكته الصغيرة التي يشعر فيها بالقيمة والأهمية. عمله ليس مجرد وظيفة، بل هو جزء من هويته وتقديره لذاته.

مخاوفه غير المعلنة: قد يخشى أن يُنظر إليه على أنه مقصر أو غير كفء. قد يخشى التقنيات الجديدة التي لا يفهمها تمامًا ويراها تهديدًا لطرقه المعتادة والمريحة. قد يخشى فقدان الاحترام الذي اعتاد عليه من المصلين.

قيمه ومفاهيمه الحاكمة: قد يكون مفهوم "راحة المصلين" (كما يراها هو: هواء متجدد) هو أسمى قيمة لديه. قد يرى في فتح النوافذ تحقيقًا لمفهوم "البركة" أو "الصحة" الذي يؤمن به إيمانًا عميقًا.

لماذا انفعل؟ انفعاله لم يكن ضد المعلومة التقنية، بل كان دفاعًا عن هويته، وقيمته، وشعوره بالأمان، وخوفه من أن يتم تهميشه أو إظهاره بمظهر الجاهل أمام جماعته.

النتيجة التعاطفية: بفهمنا هذا، ندرك أن أي حل يجب أن يحترم مكانته، ويقدر جهوده، ويتجنب إشعاره بالتهديد أو الدونية، ويقدم التغيير كـ "تطوير" لعمله لا "كنقد" لشخصه.

2. التعاطف مع "المصلين الصامتين": ما وراء السلبية

بدلًا من وصفهم بـ "المتواطئين" أو "السلبيين"، دعنا نفهم عالمهم:

بحثهم عن السكينة: المسجد بالنسبة لهم هو مكان للسكينة والعبادة والهروب من صخب الحياة ومشاكلها. آخر ما يرغبون فيه هو الدخول في جدال أو خلاف يفسد عليهم هذا الجو الروحي الهادئ.

قيمة "الوئام الاجتماعي": في بيئة قروية مترابطة، قد تكون قيمة "الحفاظ على العلاقات الطيبة" و"عدم كسر الخواطر" و"تجنب القيل والقال" قيمة عليا جدًا، قد تتفوق أحيانًا على أهمية تصحيح خطأ عملي بسيط.

مخاوفهم غير المعلنة: قد يخشى أحدهم إذا تكلم أن يُقال عنه "مثير للمشاكل"، أو أن يخسر علاقته الطيبة مع القيّم أو مع مصلين آخرين، أو أن يُحمَّل مسؤولية ما قد يترتب على كلامه من خلاف.

النتيجة التعاطفية: صمتهم ليس بالضرورة رضا بالخطأ، بل هو غالبًا خيار واعٍ (أو شبه واعٍ) يرجح قيمة "السلام الاجتماعي" على قيمة "الإصلاح العملي" في هذا الموقف المحدد. أي حل يجب أن يجد طريقة لتصحيح الخطأ دون تهديد هذا "السلام الاجتماعي" الذي يحرصون عليه.

3. التعاطف مع "النخبة الصامتة": ما وراء الانسحاب

بدلًا من الحكم عليهم بـ "الفشل" أو "التخلي عن المسؤولية"، دعنا نتفهم موقفهم المعقد:

عبء المكانة: كونهم "متعلمين" أو "متقاعدين من التعليم" قد يضع عليهم عبئًا إضافيًا. أي تدخل منهم قد يُفسّر على أنه "تعالُم" أو "فلسفة زائدة"، مما قد يعرضهم للسخرية أو النقد من بقية المجتمع البسيط.

تجربة سابقة: ربما حاولوا في مواقف أخرى تقديم النصح ولم يجدوا استجابة، مما ولّد لديهم شعورًا باليأس من جدوى التدخل في مثل هذه العقليات. (مفهوم اليأس المميت).

ميزان الأولويات: قد يرون أن هذه المشكلة "صغيرة جدًا" مقارنة بمشاكل أكبر، وأن إثارتها قد تستهلك رصيدهم الاجتماعي الذي قد يحتاجونه لقضايا أهم في المستقبل.

النتيجة التعاطفية: صمتهم قد لا يكون مجرد حياد سلبي، بل قد يكون نتاج حسابات معقدة للمكانة الاجتماعية، وتجارب سابقة محبطة، وتقدير للأولويات (قد يكون خاطئًا)، وخوف من "حرق" أنفسهم في معركة صغيرة. أي حل قد يحتاج إلى إيجاد طريقة لإشراكهم دون تعريضهم للإحراج أو استنزاف رصيدهم.

خاتمة: التعاطف كبوصلة للحل

إن ممارسة التعاطف لا تعني تبرير الخطأ أو قبوله، بل تعني فهم الدوافع الإنسانية العميقة التي تقف وراءه. لقد نقلنا التعاطف من مجرد رؤية "سلوك خاطئ" إلى رؤية "إنسان خائف على مكانته"، و"جماعة تبحث عن السكينة"، و"نخبة مترددة تخشى العواقب".

هذا الفهم المتعاطف هو البوصلة التي ستوجهنا في المقال التالي ونحن نصمم استراتيجيات التدخل. فالحل الفعال ليس الذي يفرض المعلومة الصحيحة فرضًا، بل هو الحل الذي يراعي هذه المخاوف، ويحترم هذه القيم (حتى لو كانت في غير محلها)، ويقدم التغيير بطريقة تطمئن الجميع وتشركهم بدلًا من أن تتحدى مشاعرهم وتهدد أمنهم النفسي والاجتماعي.



كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.