إنّ المسلم، إذا أُريد تعريفه تعريفًا قرآنيًّا يتجاوز الحدود الشكليّة والانتماءات الاسميّة، فهو إنسانٌ اصطفاه الله لحمل أمانة الهداية، واختاره ليكون شاهدًا على الناس، وداعيًا إلى ربّ الناس، لا بوصفه فردًا منغلقًا في إطار ذاته، ولا كعضوٍ في جماعةٍ تبحث عن الغلبة والمصلحة، بل باعتباره حامل رسالة، وأمين وحي، ووارث مهمّة الأنبياء في البلاغ والنصح والإرشاد. ومن هذا المنطلق، فإنّ حقيقة المسلم الأصليّة لا تُفهم إلا في سياق الدعوة، ولا تستقيم هويته إلا من خلال هذا الدور، إذ إنّ سائر الأمم في ميزان الرسالة إنما هي أمم مدعوّة، والمسلمون ـ على اختلاف أزمانهم وأمكنتهم ـ هم جماعة الدعوة، شاءوا أم أبوا.
وهذه المكانة ليست تشريفًا فقط، بل هي تكليفٌ ثقيل، ومسؤوليّة دقيقة، تتعلّق بمصير الإنسان في الدارين معًا، لأنّ نجاح المسلم في الدنيا، ونجاته في الآخرة، كلاهما مرتبط بمدى وفائه بهذه الأمانة، وبقدر صدقه في أدائها. فحيثما تحوّل المسلم من داعيةٍ إلى خصم، ومن ناصحٍ إلى مطالب، ومن شاهدٍ إلى شاكٍ، بدأ الانحراف عن جوهر الرسالة، وبدأ الفقدان التدريجي للمعنى الذي من أجله أُخرجت هذه الأمّة للناس.
إنّ الدعوة إلى الله حالة داخليّة، وتكوين نفسي وأخلاقي، إذ لا يمكن للداعي أن يؤثّر في غيره ما لم يكن قد تهيّأ في باطنه لحمل همّ الآخرين، واستوعب رسالته بوصفها رسالة رحمة لا رسالة صراع. ولهذا، فإنّ الوظيفة الدعويّة لا تُؤدّى إلا من خلال شخصيّة دعويّة، كما أنّ الأمومة لا تتحقّق إلا بعاطفة الأم، لا بمجرّد الولادة. فالداعي الذي لا يحمل في قلبه رحمةً بالمدعو، ولا يشعر بالمسؤوليّة تجاه مصيره، ولا يتألّم لضلاله، لا يمكن أن يكون داعيةً حقيقيًّا، مهما أتقن فنون البيان، أو رفع من شعارات.
وقد حدّد القرآن الكريم نقطة الانطلاق الأولى للدعوة، حين جعل النُّصح أساسها وجوهرها، كما قال على ألسنة أنبيائه: وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، فالنصح هنا ۔ مع توجيهٍ عابر ۔ إرادة الخير للمدعو إرادةً صادقةً خالصة، لا تشوبها منفعة، ولا تحرّكها أهواء، ولا تفسدها ردود أفعال. وهذا النصح، في حقيقته، هو ما يمكن تسميته بالخير النصح الأحاديّة، أي أن يكون الداعي الناصح للناس على كلّ حال، سواء قابلوه بالقبول أو بالرفض، وبالاحترام أو بالأذى، لأنّ الدعوة لا تُبنى على التبادل، بل على العطاء.
غير أنّ المحافظة على هذه الروح ليست أمرًا هيّنًا في عالمٍ يقوم على الاحتكاك، والتدافع، وتنوّع المصالح، واختلاف الرؤى، حيث لا يخلو إنسان من أن يُساء إليه، ولا تخلو جماعة من أن تتعرّض للاستفزاز. وهذا من طبيعة الحياة التي شاءها الله دار ابتلاء، لا دار جزاء. لكنّ الفارق الجوهري بين الداعي وغيره هو أنّ الداعي لا يسمح لهذه الوقائع أن تُشكّل أخلاقه، ولا يجعل سلوك الآخرين معيارًا لسلوكه، بل يعيش وفق مبدأ أخلاقي ثابت، مستقلّ عن ردود الأفعال، متحرّر من النفسية الانتقاميّة، مرتفع إلى مستوى الرسالة.
ومن هنا، فإنّ المسلم ـ بصفته داعية ـ لا يجوز له أن ينخرط في منطق الخصومة مع الأمم الأخرى، ولا أن يتحوّل إلى قائد حركة شكوى واحتجاج، لأنّ ذلك يناقض موقعه الرسالي. فالمدعو لا يُخاصَم، ولا يُحارَب نفسيًّا، ولا يُعامل معاملة الندّ، بل يُواجَه بالصبر، ويُخاطَب بالحكمة، ويُدعى بالرفق. ولهذا، فإنّ الشريعة الدعويّة لا تعرف ثقافة المطالب، ولا منطق الابتزاز، لأنّ الداعي في حقيقته مُعطٍ لا آخذ، ومبلّغ لا مساوم.
وقد لخّص القرآن هذا المنهج في قوله تعالى مخاطبًا نبيّه ﷺ: وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، أي اترك الاشتغال بمطالبة الناس، وتوجّه بقلبك إلى الله، لأنّ الدعوة لا تنتصر بقوّة الضغط، بل بقوّة الصدق. ولهذا، كان جميع الأنبياء يعلنون براءتهم من طلب الأجر المادّي، ويقولون لأقوامهم: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، ليؤكّدوا أنّ علاقتهم بالمدعو علاقة عطاءٍ خالص، لا علاقة مقايضة.
كما أنّ نجاح الدعوة مشروط بوجود بيئة من العلاقات المعتدلة، لأنّ القطيعة الدائمة تُغلق آذان السامعين، وتحوّل الخطاب الدعوي إلى صدى بلا أثر. فالاعتدال في العلاقة مع جميع الأمم ضرورة دعويّة، لأنّ الدعوة لا تزدهر إلا حيث يوجد حدّ أدنى من الثقة، والتواصل، والأمان النفسي.
وإذا كانت النبوّة قد خُتمت بمحمد ﷺ، فإنّ مهمّة النبوّة لم تُختم، لأنّ البلاغ إلى الله، والنصح للخلق، والهداية إلى الحق، ستظل قائمة ما بقي الإنسان. وكلّ مسلم، بقدر ما آتاه الله من علم وقدرة، هو شريك في هذا الحمل، ومسؤول عن نصيبه من هذه الرسالة. وليست الدعوة ترفًا إيمانيًّا، ولا نافلة أخلاقيّة، بل هي فريضة رساليّة، يخشى على من أهملها أن يفقد ـ في ميزان الله ـ حقيقة انتسابه إلى أمّة النبي ﷺ، وإن بقي الاسم والشكل.
وهكذا يتبيّن أنّ استعادة المسلمين لمكانتهم، وتصحيح علاقتهم بالعالم، لا يبدأ من الصدام، ولا من الصراخ، ولا من ثقافة الشكوى، بل يبدأ من العودة الصادقة إلى حقيقتهم الأولى: دعاةً إلى الله، رحماء بالناس، ثابتين على الأخلاق، متحرّرين من ردود الأفعال، مستعلين بالرسالة لا بالمطالبة، وبالعطاء لا بالخصومة.
وعندئذٍ فقط يتحقّق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾.
ابو خالد
