استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

تعريف مؤجز بالإمام الغزالي…



          هذا المقالُ الخاصُّ الذي أقدّمه اليوم إنما هو تعريفٌ موجزٌ بالإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وغايته الأساسية أن يُثير في نفس القارئ الرغبةَ في التعرّف على خدماته العلمية والدينية الجليلة، وأن يدفعه إلى مطالعة مؤلفاته النفيسة التي لا تزال، إلى يومنا هذا، مناراتٍ للهداية والإصلاح الفكري والروحي.

          وُلد الإمام الغزالي، وهو من كبار علماء فارس (إيران الحالية)، سنة 450هـ بمدينة طوس، وكان اسمه الكامل:
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي الشافعي (1058م – 1111م).

             وقد حباه الله تعالى بمواهب علمية وفكرية متنوّعة، وملكات عقلية نادرة، حتى غدا في عصره علمًا شامخًا من أعلام الإسلام.
بلغت مكانته العلمية مبلغًا عظيمًا، إذ كان يحضر مجالسَ درسه يوميًا ما يقرب من ثلاثمائة من العلماء والأمراء ووجهاء الدولة. وكان متضلّعًا من الفلسفة، واسع الاطلاع فيها، متمكّنًا من علم الكلام، حتى قيل:
إن منزلته في علم الكلام كمنزلة أرسطو في علم المنطق.

            وقد عاش الإمام الغزالي حياته كلّها بين طلب العلم، والبحث، والتدريس، والتأليف، وكان شديد القلق على حال الأمة الإسلامية في عصره، لما رأى من اضطراب في العقائد، وانحطاط في الأخلاق، وانتشار للبدع والانحرافات الفكرية. فهبّ لإصلاح ذلك بلسانه وقلمه، وكتب الرسائل إلى كبار السلاطين والأمراء، داعيًا إياهم إلى تصحيح العقيدة وإقامة الدين على أصوله الصحيحة.

مؤلفاته ومكانة "إحياء علوم الدين"
               خلّف الإمام الغزالي عددًا كبيرًا من المؤلفات القيّمة، غير أن أشهرها وأعظمها أثرًا كتابه الخالد:
«إحياء علوم الدين»،
الذي صار مع مرور الزمن عنوانًا لشخصيته العلمية والفكرية، ولا يزال هذا الكتاب محلَّ قبولٍ واسع لدى مختلف المدارس الفكرية والمذاهب الإسلامية، يُقرأ بشغفٍ وتأمّل.
ورغم أن الكتاب يشتمل على أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة، فإن العلماء قد قاموا بتخريج أحاديثه، وصدر له تحقيق علمي حديث في خمسة مجلدات ضخمة بالقاهرة، مع تخريجٍ كامل للأحاديث. كما تُرجم الكتاب إلى لغات عدة، ومن بينها الترجمة الأردية المتداولة اليوم.

            ومن الواجب على الشباب وطلبة العلم أن يُقبلوا على قراءة هذا الكتاب؛ إذ إن إنتاج عملٍ علمي جامعٍ مثله في هذا العصر أصبح أمرًا عسيرًا، بل يكاد يكون متعذرًا.

الإمام الغزالي في نظر العلماء المعاصرين
             ألّف العلامة شبلي النعماني كتابًا تحقيقيًا نفيسًا بعنوان «الغزالي»، وهو من أروع ما كُتب في تراجم الأعلام.
             كما خصّص العلامة السيد أبو الحسن علي الندوي رحمه الله فصلًا مطوّلًا عن الإمام الغزالي في كتابه الشهير «تاريخ الدعوةوالعزيمة» (الجزء الأول، الصفحات 131–196)، وهو بحثٌ عميق جدير بالدراسة المتأنية.
ويقول العلامة أبو الحسن علي الندوي رحمه الله في وصف الإمام الغزالي:
لم يكن الإمام الغزالي فقيهًا كبيرًا، ومتكلّمًا مجتهدًا، وصوفيًا صاحبَ قلبٍ حيّ فحسب، بل كان كذلك مؤلفًا بارزًا في الأخلاق الإسلامية وفلسفة الأخلاق، ودقيق النظر، لطيف الفهم، خبيرًا بالنفس الإنسانية وأمراضها. ولا يمكن لأي تاريخٍ للأخلاق الإسلامية أو لفلسفة الأخلاق أن يكتمل دون ذكره. 
ويُعدّ كتاب إحياء علوم الدين أعظم إنجازاته في هذا الباب، وما كتبه عن أمراض القلوب وأحوال النفس شاهدٌ على عمق نظره وسلامة فكره.
(تاريخ الدعوة والعزيمة، ج1، ص168)

موقفه الروحي وتحوله الداخلي
            كما ألّف الأستاذ الدكتور اختر الواسع كتابًا بعنوان:
«پیکر دین و دانش امام غزالی» (تجسيد الدين والمعرفة: الإمام الغزالي)،
وضمّنه ثمانية عشر بحثًا علميًا قيّمًا، نُشر سنة 2015م في نيودلهي، في 338 صفحة.
وجاء في هذا الكتاب حادثة مؤثرة تعبّر عن التحوّل الروحي العميق في حياة الإمام الغزالي، حيث يُذكر أن الإمام كان يميل منذ مدة إلى ترك الدنيا والانقطاع للآخرة، غير أن علائق الدنيا كانت تحول دون ذلك. وذات يوم، بينما كان يعظ الناس، مرّ أخوه الأصغر الإمام أحمد الغزالي – وكان من كبار الصوفية – فأنشد الأبيات التالية:
وأصبحتَ تهدي ولا تهتدي
وتسمعُ وعظًا ولا تسمعُ
إلى متى تقسو كالحجر؟
تُسنُّ الحديدَ ولا تقطعُ
أي:
تهدي الناس ولا تهتدي، وتعظهم ولا تنتفع بعظتك، فإلى متى تبقى كالحجر القاسي، تُحدّ السكين ولا يقطع هو بنفسه؟
فكان لهذه الكلمات أثرٌ بالغ في نفس الإمام الغزالي، وكانت من دوافع تحوّله الكبير نحو الزهد والخلوة والتفرغ لإصلاح النفس.

منهجه الفكري ومكانته التاريخية
             والحق أن الإمام الغزالي يُعدّ من أعظم الشخصيات الموسوعية في التاريخ الإسلامي، فقد ترك بصمته العميقة في الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف.
وإن كان شافعي المذهب، إلا أنه لم يكن حبيس إطارٍ مذهبيّ ضيّق، بل كان واسع الأفق، حرّ الفكر، متوازن المنهج.
درس الفلسفة دراسة دقيقة، وكشف مواطن ضعفها، وبيّن حدود العقل الإنساني، وأقام التوازن بين العقل والوحي. وتمثل كتابه «تهافت الفلاسفة» ذروة هذا الجهد النقدي الرصين.

              أما في مجال التصوف، فقد أعاد الإمام الغزالي الاعتبار للتصوف السني الصحيح، وربطه بالشريعة، وأثبت أن الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، طريقان متكاملان لا متعارضان. وجاء كتابه «إحياء علوم الدين» نموذجًا عمليًا لهذا المنهج، جامعًا بين العبادة، والأخلاق، وتزكية النفس، وإصلاح المجتمع.

وفاته
             فاظ على الإمام الغزالي الحِمام -رحمه الله- سنة 505هـ، عن عمر ناهز خمسةً وخمسين عامًا، في مسقط رأسه طوس، ودُفن فيها، ولا يزال قبره إلى اليوم شاهدًا على حياةٍ ملؤها العلم، والجهاد الفكري، والإصلاح الروحي.



أبو خالد 


اضافة:

بارك الله فيكم ورحم الإمام أبا حامد الغزالي وتقبل منه
لابد من إضافة أن الإمام كان أيضا متبحرا في على أصول الفقه، بل كان أحد رواد إبداع نظرية مقاصد الشريعة 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.