في لحظات المواجهة الكبرى، سواء في بدر قديماً أو في طوفان الأقصى حديثاً، يسقط المنطق المادي الذي يقيس النصر بـ العدد والعدة. الصحابة خرجوا للعير (الغنيمة) فوجدوا النفير (الموت)، وكرهوا المواجهة بحسابات العقل. لكن القرآن تدخل ليعيد تشكيل العقيدة العسكرية بناءً على قانون جديد: النصر يبدأ بـ طمأنينة القلب التي تولد الإقدام، لا بضخامة السلاح.
الآية العمود: الميزان الحقيقي.. وما جعله الله إلا بشرى
إن الآية التي تضبط نفسية المقاتل وتفكك عقدة الخوف هي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اُ۬للَّهُ إِلَّا بُشْر۪يٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْۖ وَمَا اَ۬لنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۖ﴾ (10).
يراعي الله الضعف البشري، فيرسل المدد (الملائكة) لا ليصنعوا النصر بذاتهم، بل لتسكن النفوس.
ويحلل ابن عاشور رحمه الله هذه الرعاية النفسية قائلاً:
«لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه... بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مَدد الملائكة».
فالله يعالج الرعب بأسباب مادية ملموسة (بشرى)، ليمهد الطريق لليقين القلبي.
تصحيح العقيدة: فك الارتباط بالأسباب
ولكن، هل الملائكة هي التي تحسم المعركة؟
يجيب الطبري رحمه الله بحزم عقدي:
«وما تُنصرون على عدوّكم... لا بشدة بأسكم وقواكم، بل بنصر الله لكم، لأن ذلك بيده وإليه».
هذا هو فصل الخطاب. حين يوقن الناهض أن زر النصر بيد الله (العزيز الحكيم) لا بيد العدو المتفوق تسليحاً، يسقط من قلبه صنم القوة المادية، ويصبح جاهزاً للمواجهة.
معادلة الإقدام : (تربية - طمأنينة - نصر)
وهنا نصل إلى السر الذي حير العالم في ثبات الفئة القليلة أمام الفئة الكثيرة.
يشرح القشيري رحمه الله منهجية الترقي فيقول: «بشَّرهم بالإمداد بالمَلَك، ثم رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من المَلِكِ».
هذه الترقية هي جوهر التربية الإيمانية.
فالمعادلة تسير كالتالي: تربية عميقة تملأ القلب باليقين -> تورث طمأنينة وسكينة تذهب الخوف -> هذه الطمأنينة تتحول إلى طاقة إقدام وجرأة على اقتحام الأهوال -> فيتنزل نصر الله.
فالقلب الخائف لا يقتحم، واليد المرتجفة لا تسدد. وما رأيناه من إقدام مذهل في معارك الأمة الفاصلة (كبدر وما تلاها) لم يكن تهوراً، بل كان فيضاً من قلوب مطمئنة رأت معية الله، فاستصغرت قوة العدو.
الكفاية الذاتية: العزيز الحكيم
ويختم البقاعي رحمه الله بتثبيت هذا المعنى، مفسراً اسم (العزيز) بأنه: «لا يغالب، ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسة العدد».
فإذا كان وليك عزيزاً (لا يُقهر)، فما حاجتك لكثرة العدد؟ يكفيك أن تكون معه ليكون معك.
الخاتمة: وليربط على قلوبكم
المعركة تبدأ في القلب وتنتهي في القلب. إذا ربط الله على القلب بالسكينة، انطلق الجسد بالإقدام، وتحققت المعجزة، وتحولت الشوكة إلى تمكين.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
تعقيب:
صدق الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم
إنما لابد من شيء من التفصيل أستاذي الفاضل
فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
ومنه ما عرف عن الإمام الشاطبي الأندلسي رحمه الله من إختلاف فتواه بحسب حال المستفتين:
فقد يشجع رحمه الله عبدا صالحا موقنا بما عند الله، بالإقدام على رحلة الحج حتى من غير رفقة أو كثير زاد !!
ثم لا ينصح بنفس الأمر أشخاصا آخرين!!
لما يرى منهم من ضعف يقين وغيره..
وعموما ، تكون السيرة النبوية المرجع في الفصل والتمييز :
فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم التوكل الخالص حقه كاملا من دون أن يهمل فقه تفعيل الأسباب وحسن تطبيقها وتحقيقها في أفعاله إقداما وتركا
والله المستعان في كل أمر
