المشهد الأول: غرفة الاجتماعات.. لحظة التجمد
لا زلت أتذكر ذلك اليوم بمرارة، وأيضا بسعادة، بمرارة للإخفاق الذي عانيته، وبالسعادة لأني اكتشفت أن العمل الجاد ليس عمل إخراج للواجهة كما يفعل المجلس الجماعي في تزيين واجهة المدن أو كما تفعل أمي حين يباغتها الضيوف فتكتفي بتزيين الواجهة وربما أدخلت بعض الكناسة تحت سجادة غرفة الضيوف، أعددت عرضي كواجهة لكنه حقيقة كان يفتقر للعمق للبيانات للدقة، وكم كانت خيبتي حين باغتني السيد الرئيس بسؤاله :
"هل لديك أي بيانات تدعم هذا الاقتراح؟"
كان هذا هو السؤال. سؤال بسيط ومباشر من مدير أعمالي. لكنه نزل على رأسي كالصاعقة. فجأة، تحولت الكلمات على شاشة العرض أمامي إلى مجرد بقع ضبابية. صوت مكيف الهواء الذي لم أكن ألاحظه أصبح هديرًا يصم الآذان. شعرت بنظرات زملائي الثمانية تخترقني.
فتحت فمي لأجيب... ولم يخرج شيء. لقد تبخرت كل الأرقام، كل الحجج، كل الساعات الطويلة من التحضير. كل ما كان في رأسي هو صوت واحد يصرخ : "لقد فشلت. أنت محتال. الآن سيكتشف الجميع أنك لا تعرف شيئاً".
مرت ثلاث ثوانٍ... بدت وكأنها ثلاث سنوات. تمتمت بكلمات غير مفهومة عن "الحاجة لمزيد من البحث". انتهى الاجتماع بصمت محرج. حملت حاسوبي المحمول ومشيت عائداً إلى مكتبي، وأنا أشعر بأنني أحمل على ظهري جبلاً من الخزي.
في تلك اللحظات، كان عقلي يبني سجني الخاص. كان يعرض "فيلم الرعب" هذا مراراً وتكراراً، وكل إعادة كانت تجعل قضبان السجن أقوى. لكن الأسوأ لم يكن هذا "السجن الماضي"، بل كان "الرعب المستقبلي": غداً، لدي الاجتماع الأهم مع الزبون الرئيسي. وإذا تكرر مشهد اليوم... انتهى الأمر.
هكذا كنت أشعر أنني أسقط في بئر عميق لا حدود له، حاولت أن أنشغل بأشياء أخرى زيارتي الأخيرة لحديقة الحيوان، السهرة السعيدة التي أمضيتها أخيرا في المنتجع الصيفي مع أصدقاء المدرسة في الزمن الجميل، هرتي التي تتعلق بي معاتبة عن تأخري في الدخول للبيت، لكن كنت كمن يتشبث بحبل متهالك.
بين سجن الخزي وخوف العجز، كنت أشعر بالقهر. عدت إلى البيت كجندي مهزوم، لا يرى أمامه إلا معركة أخرى خاسرة حتماً. دخلت غرفتي، وبشكل شبه فطري، وجدت نفسي على سجادة الصلاة. لم أكن أعرف وقتها أن هذا المحراب سيتحول إلى "ورشة هندسة" حقيقية، أرحنا بها يا بلال كذلك قالها صلى الله عليه وسلم، كان أي تأخير في السجود لرب العالمين مزيد معاناة، شعرت بحاجتي للسجود.
المشهد الثاني : هدم سجن الماضي بـ"إعادة التأطير"
بدأت أشعة من نور تتسلل إلى روحي المنهكة وكأنها تقوم للتوازن بعد ارتجاج ضربة قاضية، من محمد علي كلاي، كم كان قويا رحمه الله، لكن كنت أنظر إلى ما انتهى إليه شيخ طاعن في السن ويدان ترتجفان كذلك الحياة.
جلست بعد الصلاة، وبدأت أردد "سيد الاستغفار" بلسان مرهق. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. كنت أستمع إلى الكلمات، وفجأة، لمع في ذهني مفهوم كنت قد قرأته: **"إعادة التأطير" وهو إعادة توجيه للدفة وهي جهاز التحكم في وجهة أي مركب.
أدركت أن هذا الدعاء ليس مجرد طلب، بل هو أداة جبارة لإعادة تأطير قصة حياتي.
* عندما قلت "أنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، فهمت أنني أقوم بـ"إعادة تأطير" لهويتي. أنا لست "الشخص الفاشل الذي تجمد في الاجتماع"، هذه مجرد "حادثة". هويتي الحقيقية والأبقى هي "أنا عبدك". وهذه الهوية ليست مرتبطة بالماضي، بل بـ"عهد ومستقبل". شعرت وكأن أول قضبان السجن قد اهتزت.
* ثم جاءت المطرقة الهندسية: "أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي". هنا، كانت عملية "إعادة التأطير" في أوجها. الدعاء أجبرني على وضع "ذنبي" (ذلك الفشل الذريع) وخيبة الإعداد السيئ، داخل إطار أوسع هو "نعمة الله". وبمجرد أن وُضعا جنباً إلى جنب، تقلص الذنب وفقد سطوته.
* وعندما وصلت إلى "فاغفر لي"، أدركت أنني أمارس ما يسميه الخبراء "بناء الذاكرة المستقبلية". كنت أبني صورة ذهنية واضحة لنفسي وهي مغفورة، نقية، ومتحررة من هذا الخطأ، لتبدأ من جديد، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
في دقائق، وبفضل هذه "الأدوات الهندسية" المدمجة في الدعاء، لم يعد هناك سجن. لقد تحولت أنقاض الماضي إلى مادة لبناء المستقبل.
المشهد الثالث : تحصين المستقبل بـ"التدريب العصبي"
هدأ فيلم الماضي، لكن فيلم الغد كان لا يزال يهمس بالخوف. وهنا، رفعت يدي: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل...". هذا الدعاء المأثور وكأني أقرؤه لأول مرة.
لمع المفهوم في ذهني. هذا ليس مجرد تمنٍّ، بل هو "تدريب عصبي" وقائي.
1. المحاكاة الذهنية : عندما أقول "أعوذ بك من الجبن"، فأنا في الحقيقة أقوم بـ"محاكاة" واعية لـ"سيناريو الفشل" الذي أخشاه غداً. أراه، وأستحضره، وأشعر بالنفور منه.
2. الوسم العاطفي : هذه المحاكاة تربط "مفهوم الجبن" في شبكتي العصبية بـ"وسم عاطفي" سلبي قوي. أنا أدرب جهازي العصبي على كراهية هذه الصفة.
3. بناء النقيض : عبر رفضي النشط للجبن، بدأ عقلي تلقائياً ببناء وتأكيد الصورة النقيضة: صورتي وأنا أقف بثقة غداً، أقدم حجتي بهدوء وقوة. لقد كنت أرسم "خريطتي المستقبلية" بنفسي.
لقد كنت، في محرابي، أمارس "الهندسة الاستباقية" للذات، أحصن نفسي ضد معركة الغد قبل أن تبدأ.
ووضعت رأسي على وسادتي وكأني تخلصت من الوزر الثقيل
ألم نشرح لك صدرك، لأقوم في الصباح منشرحا مستعدا فأنا لست ذلك الموظف العادي أنا أمين على العمران الرشيد
المشهد الأخير: المهندس يستيقظ
قمت من نومي مبكرا على غير عادتي أنا شخص مختلف. التحدي لا يزال قائماً، لكن "المهندس" الذي بداخلي قد استيقظ ومعه "صندوق أدواته". بدأ يومه بنشاط الجندي الذي انهى مناوراته التدريبية…
أدركت في تلك الليلة أن الأدعية النبوية ليست مجرد "كلمات"، بل هي "خوارزميات معرفية" عالية الدقة. إنها أدوات هندسية تعلمنا "إعادة التأطير" و"بناء الذاكرة المستقبلية" و"التدريب العصبي".
والآن الدرس
دعوتي لنفسي ولك اليوم، هي أن نرى الدعاء ليس فقط كملجأ، بل كـ"ورشة عمل" يومية نمارس فيها بوعي هذه الأدوات. ففي تلك اللحظات الخاشعة، نحن لا نطلب من الله تغيير واقعنا الخارجي فحسب، بل نحن، بمعونته، نشرع في أقدس عملية تغيير: تغيير أنفسنا من الداخل.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
