استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

فيزياء النصر: من انضباط الأعصاب إلى زخَم الرِّيح (قراءة في قوانين التماسك الداخلي وإدارة المعركة)


في لحظات الالتحام المصيري، لا تكون المعركة مجرد صدام بين أجساد وسلاح، بل هي صدام بين إرادات و منظومات. وفي هذا المقطع من سورة الأنفال، يضع القرآن دستور الفاعلية الذي يضمن تماسك الصف تحت الضغط الهائل، كاشفاً أن الهزيمة تبدأ من الداخل (التنازع والرخاوة) قبل أن تقع من الخارج. هذا المقال يقرأ في فيزياء النصر، وكيف يتحول انضباط الصف إلى قوة دافعة (ريح) لا تقهر.

الآية العمود : قانون التماسك.. ولا تنازعوا

إن الآية التي تضبط إيقاع المعركة وتحذر من الانتحار الداخلي هي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (46).
التنازع هنا ليس مجرد ذنب، بل هو عطب فيزياء يصيب القوة العسكرية.
ويشرح البقاعي رحمه الله هذا الأثر المدمر بدقة لغوية مذهلة، فيقول:
«{ولا تنازعوا} بأن يريد كل واحد نزع مال صاحبه من رأي وغيره وإثبات ما له، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته المرة فقال: {فتفشلوا} أي تضعفوا؛ قال في القاموس: فشل كفرح، فهو فشل، كسل وضعف وتراخى وجبن... والمادة راجعة إلى الفيشلة وهي الحشفة ، ومن لازمها الرخاوة، وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة والطيش. ولما كان الفشل ربما كان معه الظفر... عطف ما يلزمه غالباً... فقال: {وتذهب ريحكم} أي غلبتكم وقوتكم، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده، فصارت يكنى بها عنها».
فالتنازع يصيب العصب الجماعي للأمة بالشلل والارتخاء (الفشل)، فيفقد الجيش توتره الإيجابي اللازم للقتال، وتتبدد ريحه (زخمه وهيبته).

الانضباط العصبي: وحدة القيادة

لتجنب هذا الشلل، لا بد من وحدة الإشارة في جسد الأمة.
ويؤصل الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله لهذه القاعدة الإدارية والعسكرية قائلاً:
«وطاعة الله هي لب الاستقامة، وطهارة القلوب... حذرهم الله تعالى من ثلاثة أمور: أولها مخالفة الله ورسوله... والثاني: من مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائد، ومخالفة كل قائد رشيد، والأمر الثالث: من التنازع، فإن الاختلاف مضيعة الجيوش، ومهلكة الأمم».
فالطاعة هنا ليست مجرد عبادة، بل هي ضرورة استراتيجية لتوحيد مركز القيادة. فالجيش الذي يطيع أمراً واحداً يتحرك كجسد واحد (تزامن عصبي)، أما مخالفة القيادة فهي تشويش يشتت الجهد ويهدر الطاقة في احتكاكات داخلية.

الثبات الديناميكي: الحركة المستقرة

كيف نحافظ على الثبات وسط العاصفة؟
يجيب محمد حسين فضل الله رحمه الله مبيناً أثر الطاعة والصبر في تثبيت الحركة، فيقول:
«{وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فإن ذلك هو الذي يحمي المسيرة من الانحراف، ويصون الخطوات من الاهتزاز... {وَاصْبِرُواْ} ففي الصبر قوة الموقف، ووضوح الرؤية، وسلامة الطريق، وحرية الإرادة».
فالصبر ليس جموداً، بل هو مانع اهتزاز يمنح المقاتل وضوح الرؤية و حرية الإرادة، فلا يتحرك برد فعل عشوائي طائش، ولا ترتعش خطواته خوفاً.

خماسية النصر: التكامل العملياتي

النصر ليس ضربة حظ، بل هو نتاج منظومة متكاملة.
وينقل الإمام البقاعي عن ابن القيم (في الفروسية المحمدية) خلاصة هذه المنظومة في الآيات (45-46) قائلاً:
«وهذه الجملة جمع فيها... تدبير الحروب أحسن جمع على أتم وجه، فأمر فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت قط في فئة إلا انتصرت وإن قلت في جنب عدوها، وخامسها ملاك ذلك وقوامه وأساسه وهو الصبر، فعلى هذه الدعائم الخمس تبنى قبة النصر».
والخمسة هي: (الثبات عند اللقاء، وذكر الله كثيراً، وطاعة الله ورسوله، وترك التنازع، والصبر). غياب أي ركن يهدد قبة النصر بالانهيار.

الخاتمة: تقاتلون بأعمالكم

السلاح لا يقاتل وحده، بل يقاتل بـ الإنسان الذي يحمله.
وكما في أثر أبي الدرداء رضي الله عنه: «إنما تقاتلون الناس بأعمالكم».
انضباطكم القيمي، ووحدة صفكم، وصلة قلوبكم بالله (الذكر)، هي ذخيرتكم الحقيقية التي تستجلبون بها الريح والمدد.



كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.