استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

صوماليلاند هندسة الجغرافيا على إيقاع البحر الانكساري..


لم يظهر اسم «صوماليلاند» فجأة على شاشات الأخبار، بل أُخرج من الأدراج القديمة في اللحظة التي اهتزّ فيها البحر. حين اشتعل باب المندب تحت ضربات الحوثيين، تذكّر العالم أن الجغرافيا لا تنام طويلًا، وأن الممرات حين تُغلق، تُفتح الخرائط. عندها فقط بدأ الإقليم المنسي يُعاد تقديمه، لا كقضية انفصال مؤجلة، بل كحل جاهز لأزمة طارئة.
الاعتراف الإسرائيلي لم يكن احتفالًا بدولة ناشئة، بل خطوة محسوبة للاقتراب أكثر من شريان الملاحة العالمي، ولزرع نقطة نفوذ عند خاصرة البحر الأحمر. من هناك تُرسل الرسائل بلا كلمات: إلى مصر أولًا، وإلى كل من يظن أن أمن الممرات ما زال شأنًا عربيًا خالصًا. وفي الخلف، كانت الإمارات تتحرّك بصمت، تفتح الموانئ وتغلق الأبواب، وتدير المشهد من خلف الستار، كما تفعل دائمًا حين يصبح الاستثمار سياسة، والسياسة أمنًا.
أما إثيوبيا، الدولة التي لم تصالح يومًا حرمانها من البحر، فقد وجدت في القصة نافذة قديمة تتجدد. تاريخها مع الصومال ليس سطرًا عابرًا، بل جرح مفتوح منذ أوغادين، ومنطقها ثابت: صومال موحّد خطر، وصومال مُجزّأ فرصة. لذا بدا الانفتاح على صوماليلاند امتدادًا طبيعيًا لصراع لم ينتهِ، تغيّرت أدواته فقط.
وفي قلب هذه الشبكة، يتحرّك رجال لا تظهر صورهم في العناوين الأولى، مثل تيبور ناجي، الذي عرف القارة من دهاليزها، وأدار ملفاتها بعقل بارد. من سد النهضة إلى صوماليلاند، ظل اسمه حاضرًا حيث تُرسم الخطوط وتُقاس المصالح، لا بوصفه صانع القرار، بل مهندس المسارات الممكنة.
وفلسطين؟ لم تكن بعيدة. فحين تُطرح أفكار الاعتراف مقابل التهجير، حتى وإن نُفيت رسميًا، فإنها تكشف عقلية ترى في الأرض سلعة، وفي الشعوب عبئًا قابلًا للنقل. لذلك جاء الرفض العربي والإسلامي حادًا، لأن الرسالة كانت أوضح من أن تُغلف بالدبلوماسية.
لكن ما غاب عن حسابات الخارج، أن الداخل لا يصمت طويلًا. في الصومال، قوبلت الاحتفالات بالغضب، والوعود بالتهديد، وارتفعت أصوات تحذر من أن اللعب بالخرائط قد يشعل ما هو أبعد من إقليم. فالدولة التي تُولد بقرار خارجي، غالبًا ما تعيش على حافة النار.
هكذا، ليست صوماليلاند قصة اعتراف، بل فصلًا جديدًا من صراع قديم على البحر والحدود والنفوذ. فصلٌ كُتب بالحبر السياسي، لكن سطوره الأخيرة قد تُكتب بالدم، إذا ظنّ اللاعبون أن الجغرافيا تُدار دون ثمن.


#فاطمة_بنت_الرفاعي

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.