استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

القدر



        الإيمانُ بالقَدَرِ أحدُ أركانِ العقيدةِ الإسلاميّةِ، وأصلٌ من أصولِ الإيمانِ التي لا يكتملُ إيمانُ العبدِ إلا بها.
ومع ذلك فإن هذه المسألةَ من أدقِّ مسائلِ العقيدة، وأكثرِها إثارةً للتساؤلاتِ في العقول، لما قد يتوهمه بعضُ الناس من تعارضٍ بين القَدَرِ الإلهيّ وبين اختيارِ الإنسانِ ومسؤوليته.
غير أن الوحيَ الإلهيَّ، إذا أُحسن فهمُه، يكشفُ بجلاءٍ أن القَدَرَ ليس نفياً للاختيار، ولا ذريعةً للجبر، بل هو تعبيرٌ عن كمالِ علمِ الله تعالى، وشمولِ حكمتِه، وإحاطتِه بكلِّ ما كان وما يكون.

          وفهمُ هذا التوازنِ الدقيقِ بين علمِ الله المطلق، واختيارِ الإنسانِ المحدود، ضرورةٌ لصيانةِ الإيمان، وسلامةِ العقيدة.

     الإيمانُ بالقَدَرِ واجبٌ شرعاً، وهو جزءٌ لا يتجزأ من حقيقةِ الإيمان.
وقد ثبت في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسولَ الله ﷺ قال:
لا يكونُ العبدُ مؤمنًا حتى يؤمنَ بأربع:
أن يشهدَ أن لا إلهَ إلا الله وأنّي رسولُ الله،
وأنّي بُعثتُ بالحق،
ويؤمنَ بالموتِ وما بعد الموت،
ويؤمنَ بالقَدَر.
(رواه الطبراني، وذكره صاحب المشكاة).
      فالقَدَرُ إذن أصلٌ عقديّ، وإن عجز العقلُ البشريّ عن الإحاطةِ بكلِّ تفاصيلِه.

ما هو القَدَر؟

المعنى اللغوي
القَدَرُ في اللغة: التقديرُ، والتحديدُ، ووضعُ الشيء على مقدارٍ معيّن.

المعنى الاصطلاحي
القَدَرُ هو علمُ الله الأزليُّ، وإرادتُه النافذة، وتقديرُه الشامل، الذي به حدّد سبحانه لكلِّ مخلوقٍ:
وجودَه
وزمانَه
ومكانَه
وصفاتِه
وأعمالَه
وما يترتب عليها من ثوابٍ أو عقاب
وكلُّ ذلك مكتوبٌ في اللّوحِ المحفوظ، لا يحيطُ به علماً إلا الله تعالى.

          قال الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله:
أن يجعلها على مقدارٍ مخصوصٍ ووجهٍ مخصوصٍ حسبما اقتضت الحكمة. (المفردات)

          وقال العلامة سعد الدين التفتازاني رحمه الله:
وهو تحديدُ كلِّ مخلوقٍ بحدِّه الذي يوجدُ من حسنٍ وقبحٍ، ونفعٍ وضرر، وزمانٍ ومكان، وما يترتب عليه من ثوابٍ وعقاب.
(شرح العقائد)

أقسامُ القَدَر
القَدَرُ المُبرَم
وهو التقديرُ القطعيّ الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل.

القَدَرُ المُعلَّق
وهو ما عُلِّق على أسبابٍ، كالدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، فيقعُ فيه التغييرُ بإذن الله، دون أن يخرج عن علمه الأزليّ.

علمُ الله لا يعني الجبر
اللهُ تعالى:
عالِمُ الغيب
عليمٌ بذات الصدور
لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء
وهو يعلمُ ما سيختاره الإنسانُ بإرادتِه واختياره، قبل أن يختار.
لكن علمَ الله لا يُجبرُ العبدَ على الفعل، بل العبدُ يفعلُ باختياره، فيقعُ فعلُه مطابقاً لما سبق في علم الله.
فالفرقُ الجوهريّ بين العلم والإجبار أن:
العلمَ كاشفٌ
والجبرَ مُلزِم
واللهُ كاشفٌ لأفعالِ العباد، لا مُكرِهٌ لهم عليها.

النصوصُ القرآنية في القَدَر
قال الله تعالى:
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ.
(القمر: 49)
وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ.
(الرعد: 8)
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ. (يس: 12)
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام: 59)
فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (المرسلات: 23)

        وهذه الآياتُ كلُّها تدلُّ على الإحاطة، والنظام، والحكمة، لا على سلبِ الاختيار.

         كما لو افترضنا إنساناً يملك قدرةً على التنبؤ، فيطلب منك أن تكتبَ شيئاً باختيارك الكامل، دون ضغطٍ أو توجيه.
ثم يُظهرُ لك ورقةً كتب فيها مسبقاً نفسَ ما اخترتَ.
فهل كان علمُه سبباً لاختيارك؟
أم أن اختيارك وافق علمَه السابق؟
هكذا هو القَدَر، مع الفارق العظيم:
فالعالِمُ هنا ليس إنساناً، بل هو اللهُ العليمُ الخبير.

الاختيارُ أساسُ التكليف
قال الله تعالى: فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29)
وهذه الآيةُ نصٌّ قاطعٌ في إثباتِ حريةِ الاختيار.
ولو كان الإنسانُ مجبوراً:
لبطلت الأوامرُ والنواهي
ولسقط مفهومُ الذنب
ولأصبحتِ العقوبةُ ظلماً
والثوابُ عبثاً
وحاشا لله عن ذلك.

الدنيا دارُ ابتلاء
قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الملك: 2)

والامتحانُ لا يكون إلا مع:
الاختيار
ووضوحِ الطريق
وظهورِ العمل
ولو كان علمُ الله كافياً للحساب دون عمل، لما كان للاختبار معنى.

إقامةُ الحُجّة الإلهيّة
           أرسلَ اللهُ الرسلَ، وأنزلَ الكتب، وأوضحَ الطريق، حتى لا يبقى للناس عذر.
قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. (النساء: 165)
فهذا من تمامِ عدلِ الله، وكمالِ رحمتِه.

        القَدَرُ علمُ الله، لا جبرُه
الإنسانُ مختارٌ، ومسؤولٌ عن أفعالِه
الجزاءُ عدلٌ، لا ظلم
الجنةُ والنارُ نتيجةُ الاختيار
فليس الخللُ في القَدَر،
بل في البصيرةِ التي لم تُحسن الفهم.
وكما أن الخفّاشَ لا يرى الشمس،
فليس في الشمسِ نقص،
بل في عينِ الناظر.


أبو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.