استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

کیف کان الشيطان یضل الانسان


             لقد أكّد القرآن الكريم في مواضع متكرّرة أن العدوَّ الحقيقيَّ للإنسان ليس إنسانًا مثله، ولا ظرفًا خارجيًا، ولا قوّةً مادية، وإنما هو الشيطان الذي أعلن عداوته الصريحة لبني آدم منذ اللحظة الأولى، وتعهد أن يقعد لهم على الصراط المستقيم، وأن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.

             ومن هنا كان واجب الإنسان الأكبر أن يكون في غاية الحذر واليقظة في التعامل مع هذا العدو الخفي، لأن النجاة الحقيقية في ميزان الله إنما هي النجاة من حبائل الشيطان ومكائده.

أولًا: العداوة الشيطانية في التصور القرآني
            القرآن لا يكتفي ببيان وجود الشيطان، بل يكشف عن طبيعة عداوته، ومنهجه، وأدواته، وأساليبه النفسية والفكرية. فهو عدوٌّ لا يواجه الإنسان مواجهةً مباشرة، ولا يدخل معه في صراعٍ ظاهر، بل يعتمد على الخداع، والتزيين، والتدرّج، وبثّ الأوهام، حتى يقع الإنسان في الفتنة وهو يظنّ أنه على صواب.
قال الله تعالى على لسان إبليس:
وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا۔ (الإسراء: 64)

هذه الآية من أوسع الآيات دلالةً على منهج الشيطان العملي في الإغواء، وهي تكشف بوضوح عن طبيعة تدخله في حياة الإنسان.

ثانيًا: معنى المشاركة في الأموال والأولاد
             ليس المقصود بالأموال والأولاد هنا المعنى الحرفي الضيّق فقط، بل هو تعبير رمزي شامل يدلّ على جميع شؤون الحياة الإنسانية. فكأن الله تعالى يقول لإبليس: ادخل في تفاصيل حياة الناس، في تفكيرهم، وتصرّفاتهم، وقراراتهم، وعلاقاتهم، ومشاعرهم، وطموحاتهم.

فمشاركة الشيطان في المال تكون:
بتزيين الحرام،
وتسهيل أكل الربا،
وتبرير الظلم والغش،
وتحويل المال من وسيلة للخير إلى أداة للكبر والطغيان.

ومشاركته في الأولاد تكون:
بإفساد التربية،
وتشويه القيم،
وبثّ الانحراف الفكري والأخلاقي،
وإبعادهم عن معنى العبودية لله.

وهذا المعنى يتوسّع ليشمل كل شأن من شؤون الإنسان، صغيرًا كان أو كبيرًا.

ثالثًا: الوعد الشيطاني وحقيقته النفسية
أما قوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾، فليس المراد به وعدًا حقيقيًا، بل هو وعدٌ وهميٌّ كاذب، قائم على بثّ الأماني الكاذبة، وإغراق الإنسان في التفكير الرغبوي (Wishful Thinking).
فالشيطان لا يقول للإنسان: اعصِ الله صراحة، بل يقول له:
لا بأس… الله غفور رحيم،
افعل الآن وتُب لاحقًا،
أنت مختلف عن غيرك،
ہنيتك طيبة، والنية تكفي،
هذا الشرّ له مصلحة أعظم.
وهكذا يُنشئ الشيطان داخل عقل الإنسان فقاعةً من الأوهام، يرى فيها الباطل حقًا، والمعصية مصلحة، والانحراف ذكاءً، والتفريط تساهلًا محمودًا.

رابعًا: خطورة المنهج الشيطاني الخفي
             أخطر ما في الشيطان أنه لا يأتي إلى الإنسان بصفته شيطانًا، ولا يقول: أنا عدوك، فاتبعني. ولو فعل ذلك لانكشف أمره، ولما اتّبعه أحد.
إنما يدخل الشيطان إلى الإنسان من الداخل:
من خلال التفكير،
ومن خلال المشاعر،
ومن خلال التبرير العقلي،
ومن خلال تزيين النوايا.
فهو لا يعمل كمستشار خارجي، بل كمهندس داخلي للعقل، يعيد ترتيب الأفكار، ويغيّر زوايا النظر، حتى يظن الإنسان أن الفكرة فكرته، وأن القرار قراره، وأن التوجّه نابع من ذاته.
وهنا تكمن الكارثة الكبرى.

خامسًا: التزيين الشيطاني وخداع النفس
                  يضرب القرآن مثالًا دقيقًا لهذا الأسلوب حين يقول:
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ۔

التزيين يعني أن العمل القبيح لا يُعرض على الإنسان بقبحه، بل يُغلَّف بغلافٍ أخلاقي أو عقلي أو عاطفي يجعله مقبولًا في نظر صاحبه.
فمثلًا: قد تنشأ بين شخصين خصومة أو شكوى شخصية، فيتدخل الشيطان في عقل أحدهما، فيضخّم الخطأ، ويبرّر الحقد، ويُقنعه بأن غضبه حقٌّ مشروع، وأن موقفه نزيه، وأن الطرف الآخر هو الظالم وحده.
فإذا انتبه الإنسان في تلك اللحظة، وقال في نفسه:
لعل هذه الفكرة ليست خالصة، ولعل الشيطان يتدخل في تلوينها
فقد نجا، وقطع الطريق على الشيطان.
أما إذا سلّم للفكرة، وتعامل معها على أنها فكرة نقية صادقة لا شبهة فيها، فقد وقع في الفخ، وهلك وهو يظن أنه مُحقّ.

سادسًا: معيار النجاة من الشيطان
               النجاة من الشيطان لا تكون بالقوة، ولا بالذكاء المجرد، ولا بكثرة الجدل، وإنما تكون بـ:
الوعي الداخلي،
المحاسبة الدائمة للنفس،
الشكّ المشروع في الدوافع الخفية،
عرض الأفكار على ميزان الوحي.
فالإنسان الذي يتعلّم أن يسأل نفسه دائمًا:
هل هذه الفكرة ترضي الله؟
هل فيها عدل؟
هل فيها هوى؟
هل فيها تبرير للنفس؟
هو إنسان أغلق على الشيطان أعظم أبوابه.

               والحاصل ان أخطر ما في الشيطان أنه لا يفرض الضلال فرضًا، بل يجعلك تختاره وأنت تظنه هداية. ومن هنا كانت أعظم معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع الأفكار التي تتسلّل إلى قلبه وعقله دون استئذان.
ومن عرف هذا المنهج الشيطاني، وتيقّظ له، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن غفل عنه، فقد خسر وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا۔


ابو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.