استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

كيفية تأويل آيات الصفات وأخبارها



          قال العلّامة البكّي المالكي رحمه الله تعالى:
اعلم أنّ أهل التأويل اختلفوا في كيفية تأويل آيات الصفات وأخبارها على طريقين مشهورين، لكلٍّ منهما مأخذه، وله أصلٌ في لسان العرب وأساليب البيان.
   الطريق الأوّل: طريق الأقدمين
              وهو طريق كثير من متقدّمي المتكلّمين، كالإمام ابن فورك رحمه الله، حيث حملوا الألفاظ الواردة في الصفات على مجازاتها الراجعة إلى الصفات الثابتة لله تعالى، تنزيهاً له عن مشابهة الحوادث.
فقالوا:
إنّ اليد تُطلق في اللغة حقيقةً على الجارحة، وتُطلق مجازاً على لازمها، وذلك على وجوه:
إمّا القدرة،
أو النعمة،
أو العطاء والإحسان.
وذلك لأنّ العرب تستعمل اللفظ الواحد في حقيقته تارة، وفي لوازمه ومعانيه المجازية تارة أخرى، بحسب السياق والقرائن، ولا إشكال في ذلك عند أهل اللسان.
الطريق الثاني: طريق المتأخّرين
           وهو طريق من انفتحت بصائرهم بنور علمي المعاني والبيان، واشتدّ رسوخهم في أسرار الخطاب العربي، وهو علمٌ كانت أصوله مستقرّة في قلوب الصحابة والتابعين قبل أن تشوب الألسنة عجمة، أو تضعف الملكة العربية.
وحاصل هذا المسلك:
أنّ المتشابهات الواردة في الصفات تُرَدّ إلى باب التمثيل والتصوير البلاغي، الذي يُقصد به تقريب المعاني العقلية بإبرازها في صور حسّية، قصدَ كمال البيان، وشدّة الإيضاح، وقوّة التأثير، لا لإثبات ظاهر الحسّ، ولا لتحقيق مفردات التركيب على حقيقتها الحسية.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ۔
فإنّ هذا التعبير تمثيلٌ بليغ يُراد به:
بيان أنّ خلق آدم عليه السلام واقعٌ مباشرةً بقدرة الله وإرادته،
وأنّه مخلوق له على وجه العناية الخاصة والتشريف البالغ،
مع نفي كلّ شائبة تشبيه أو تجسيم.
وذلك نظير قول العرب:
أخذ فلان الأمر بكلتا يديه
أي: تولّاه بنفسه، وبالغ في العناية به، وأحكمه من جميع وجوهه، من غير نظر إلى تحقّق مفردات هذا التركيب حسّاً، ولا التفات إلى وجود يدٍ حقيقةً في جانب المقصود.
             وعلى هذا، لا يُتكلَّف للفظ اليد معنىً جزئيٌّ مستقلّ، بل يُنظر إلى الخلاصة والمقصد الكلّي الذي سيق له الكلام، وهو مسلك دقيق لا يُحسنه إلا من مارس البيان العربي، وخبر أساليبه ومقاصده.

           وقد اختار هذا المنهج الإمام المحقّق، العلّامة السيد الشريف الجرجاني قدّس الله سرّه، حيث قال:
ومن كان له رسوخٌ في علم البيان، حمل أكثر ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهة على التمثيل والتصوير، وحمل بعضها على الكناية، وبعضها على المجاز، مع مراعاة جزالة المعنى، وفخامته، وحسن موقعه، واجتناب ما يؤدّي إلى ركاكة التعبير أو ضعف الدلالة.
فعليك بالتأمّل فيها، وحملها على ما يليق بجلالها، والله المستعان، وعليه التكلان.
(شرح المواقف، 8/129)

          وبذلك يتبيّن أنّ تأويل الصفات عند أهل السنّة ليس عبثاً بالألفاظ، ولا تعطيلًا للمعاني، بل هو:
تنزيهٌ بلا تعطيل،
وإثباتٌ بلا تشبيه،
وسلوكٌ للسبيل العربي الأصيل في فهم الخطاب الإلهي،
وردٌّ للمتشابه إلى المحكم،
وحفظٌ لجلال النصّ عن أوهام الحسّ وتخيّلات التجسيم.
فمن جمع بين سلامة الاعتقاد، ورسوخ اللسان، ودقّة البيان، فقد أُوتي خيراً كثيراً.



ابو خالد


تعقيب:

تمام، تلكم خلاصة أوفى لحسم الخلاف، وكان أولى بالذين اختلفوا في كل ذلك، التوحد والإجتماع في الإنشغال بآيات الله في الآفاق والأنفس والعلاقات بينها وسنن تفعيلها في الإستخلاف والعمران عوض الغوض في وضع افتراضات لما هو فوق وسع العقول!!

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.