استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

لهيب الاحتجاجات في إيران



             لا تزال الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر شهر ديسمبر تتصاعد دون أن تبدو لها نهاية قريبة. فالجهات التي بدأت هذه الاحتجاجات، والقضايا التي انطلقت بسببها، تراجعت إلى الخلفية، بل إن المشهد اليوم تقوده جماعات إيرانية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تعمل على إذكاء نار الفتنة وإشعال الشوارع. ولهذا السبب أخذت هذه الاحتجاجات تتحول شيئاً فشيئاً إلى مواجهات عنيفة واشتباكات دامية، سقط خلالها عدد من أفراد الشرطة قتلى. كما استهدف المحتجون بكثرة المباني الحكومية والعامة، ولم تسلم من ذلك المساجد والمزارات، الأمر الذي يكشف بوضوح أن الهدف، بإيعاز من قوى خارجية، هو تخريب الأوضاع وتهيئة مناخ لحرب أهلية داخلية.
             وقد سعت الحكومة الإيرانية، بحكمة ورويّة، إلى احتواء التدهور الأمني، فأقدمت خلال اليومين أو الثلاثة الماضية على تعطيل خدمات الإنترنت وغيرها، ما أسهم في تحسن نسبي للأوضاع، وإن كانت نيران الاحتجاج لا تزال مشتعلة في عدد من المناطق الإيرانية.
            أما الإعلام الغربي، فيتعاطى مع هذه المظاهرات من زاوية خاصة تخدم أهدافاً محددة، ويعمد إلى تضخيم الأحداث وتهويلها. ومن الواضح أن معظم وسائل الإعلام الغربية تقف إلى جانب المحتجين، وتسعى بكل الوسائل إلى تسخين الأجواء وزيادة تأزيمها، على أمل ألا تخمد هذه الاضطرابات إلا بإسقاط النظام.
وقد هدد الرئيس الأمريكي غير مرة بالتدخل بذريعة العنف الممارس ضد المتظاهرين، غير أن مشكلة هذه التهديدات أنها تتكرر كثيراً حتى فقدت جديتها، إذ بات من المعتاد أن يطلق الرئيس الأمريكي عشرات التهديدات يومياً دون أن يُؤخذ معظمها على محمل الجد، وإن كان أحد لا يدري متى يقدم هذا الرجل المتهور على خطوة غير محسوبة. وإلى جانب التهديدات الأمريكية، دعا أيضاً بعض رموز أسرة بهلوي، المعروفين بارتباطهم بالمشروع الصهيوني، الولايات المتحدة صراحة إلى التدخل في الشأن الإيراني.
وحتى الآن، تمكنت الحكومة الإيرانية إلى حد كبير من السيطرة على هذه الاحتجاجات، وكان من أبرز العوامل المساعدة على ذلك تداعيات الحرب الإسرائيلية–الإيرانية التي استمرت اثني عشر يوماً. فقد أدت تلك الحرب إلى وقوف شريحة واسعة من الشباب، الذين كانوا في السابق معارضين للحكومة وسياساتها، إلى جانب الدولة الإيرانية، خوفاً من الأخطار والاعتداءات الخارجية. ولهذا نرى، إلى جانب المظاهرات المناهضة للحكومة، مسيرات حاشدة داعمة لها. والاحتجاجات في إيران ليست أمراً جديداً؛ فقد شهدت البلاد في السابق احتجاجات أوسع وأطول زمناً، غير أن ما يميز الاحتجاجات الحالية هو حجم الدعم الخارجي، وتورط مختلف الأدوات المرتبطة بالخارج، إضافة إلى الحملة الإعلامية الغربية المكثفة لإشعال هذه النار. ومن هنا تبدو هذه الاحتجاجات مختلفة عن سابقاتها، وربما تكون أكثر تأثيراً ونتائجها أعمق.
            وقبل اندلاع هذه الاحتجاجات، سعت وسائل الإعلام العبرية مراراً إلى تهيئة الأجواء لاحتمال شن هجوم إسرائيلي على إيران، حتى ذهبت بعض التقارير إلى الادعاء بأن قراراً بضرب إيران قد أُقرّ بالفعل. غير أن رئيس وزراء الكيان المحتل بعث، عبر روسيا، برسالة إلى إيران مفادها أن إسرائيل لا تنوي شن هجوم في الوقت الراهن. إلا أن نيتنياهو، لأسباب داخلية معقدة، بات يجد نفسه مضطراً إلى فتح جبهة قتال في مكان ما، ولهذا أبقى بعد وقف إطلاق النار في غزة جبهة لبنان مفتوحة من طرف واحد، في محاولة لإظهار أن إسرائيل ما زالت في حالة حرب. ومن ثمّ فإن احتمال قيام إسرائيل باعتداء أو تدخل في إيران ليس مستبعداً.
          وقد ادعت وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضاً أن إيران، بعد حرب الأيام الاثني عشر، أعادت بناء قدراتها العسكرية بسرعة كبيرة، وأنها في حال تعرضت لهجوم جديد، ستخالف سياستها السابقة، وتبادر منذ اللحظة الأولى بتوجيه ضربة هي الأشد والأخطر.
             وإذا نُظر إلى الاحتجاجات في إيران من زاوية إقليمية، فإنها لا تبشر بخير للمنطقة. فقيام حكومة موالية للصهيونية في إيران سيكون بالغ الخطورة على الإقليم بأسره. بل إن ما يجري في إيران يبدو، في جوهره، محاولة لاستهداف المملكة العربية السعودية وتطويقها، وخلق مناخ يُجبرها في النهاية على الاعتراف بإسرائيل. ولهذه المخاوف، أبرمت السعودية اتفاقاً مهماً مع باكستان، وترى بعض المصادر أن تركيا قد تنضم إلى هذا التفاهم في أي لحظة.
إن إسرائيل تسعى إلى تمهيد الأرض لمشروعها في المنطقة كلها. وما جرى في اليمن مؤخراً على يد الإمارات العربية المتحدة لم يكن في حقيقته سوى جزء من المخطط الصهيوني؛ ولهذا تعاملت دول المنطقة مع الأمر بجدية بالغة، وتمكنت خلال عشرة أو اثني عشر يوماً من إفشال تلك المخططات. وتأتي “صوماليلاند” كحلقة أخرى في السلسلة ذاتها. فكلا المشروعين يهدفان إلى السيطرة على طريق التجارة في البحر الأحمر، ذلك الطريق الذي نجح الحوثيون خلال الحرب في استخدامه لشل أحد أهم شرايين إسرائيل، وتسعى تل أبيب اليوم، بدعم من دول أخرى، إلى بسط نفوذها عليه من جديد.
             وفي ضوء التحولات المتسارعة في المنطقة، يبدو أن أي تدخل خارجي في إيران سيقابل بوقوف دول إقليمية أخرى إلى جانبها، ورفضها القاطع لتغيير النظام الإيراني وإقامة سلطة تخدم الأهداف الصهيونية. كما أن مسألة استخدام أجواء دول المنطقة من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، التي تمت خلال حرب الأيام الاثني عشر دون عوائق تُذكر، ستصبح في المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً، إذ إن المؤشرات الحالية توحي بأن المشهد الإقليمي لم يعد كما كان.


ابو خالد القاسمی

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.