استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

المشاهدة الكونية ودلالاتها الإيمانية



            منذ فجر التاريخ والإنسان يرفع بصره إلى السماء متسائلًا عن سرّ هذا الكون الفسيح، وعن موقعه فيه، وعن الغاية من وجوده على هذا الكوكب الصغير. وكانت هذه الأسئلة في العصور السابقة تُجاب إجابات فلسفية أو تأملية محدودة، بحسب ما توفر للإنسان آنذاك من أدوات المعرفة. أمّا في العصر الحديث، فقد دخل الإنسان مرحلة جديدة من الاكتشاف، حين تجاوز حدود الأرض، وخرج من نطاقها الضيق إلى الفضاء الرحب، وبدأ يطّلع ـ مشاهدةً لا تخمينًا ـ على أجرام الكون وأبعاده ونُظمه.
           وان الرحلات الفضائية تحولت إلى نافذة كبرى لفهم الكون، وكشفت حقائق عميقة لم تكن معروفة من قبل. ومن أعظم ما كشفته هذه الرحلات: فرادة الأرض، وتميّزها الاستثنائي بين مليارات الكواكب، وكونها الموطن الوحيد المعروف للحياة الواعية المنظمة.

            لقد تمكن الإنسان، عبر الصواريخ والمركبات الفضائية، من مغادرة الغلاف الجوي، والسباحة في الفضاء السحيق، والاقتراب من الكواكب، بل والهبوط على بعضها. وخلال هذه الرحلات الطويلة، استخدم رواد الفضاء مناظير فائقة الدقة، وأجهزة قياس متقدمة، مكّنتهم من دراسة خصائص الأجرام السماوية دراسة مباشرة.

             وقد جاءت نتائج هذه المشاهدات مدهشة؛ إذ تبيّن أن الفضاء ـ على سعته وعظمته ـ يخلو من كوكب تتوافر فيه شروط الحياة كما هي متوافرة على الأرض. فالكواكب التي تمّت دراستها إما جرداء، أو غارقة في الجليد، أو مشتعلة بحرارة لا تُطاق، أو تفتقر إلى الهواء والماء، أو تخضع لاضطرابات كونية مدمّرة لا تسمح بوجود حياة مستقرة.
وعلى النقيض من ذلك، تبيّن أن الأرض تمتلك منظومة متكاملة للحياة:
غلافًا جويًا محسوب السمك والتركيب،
ونسبة دقيقة من الغازات،
وماءً موزعًا بتوازن فريد،
ودرجة حرارة معتدلة،
ومجالًا مغناطيسيًا يحميها من الإشعاعات القاتلة،
ومسافة محسوبة بينها وبين الشمس،
ونظامًا دقيقًا لتعاقب الليل والنهار والفصول.
ولهذا عبّر أحد رواد الفضاء عن دهشته بقوله:
      Right type of material at the right place
أي: النوع الصحيح من المواد في المكان الصحيح.
        وهي عبارة تختصر حقيقة كونية عميقة، مفادها أن الأرض ليست تجمعًا عشوائيًا لعناصر متناثرة، بل هي بناء محكم، ونسق متناسق، لو تغيّر فيه عنصر واحد أو اختلّ ميزان واحد لاختلّ معه نظام الحياة كله.

             إن وجود الحياة على الأرض ـ وخصوصًا الحياة الإنسانية العاقلة ـ ليس أمرًا بسيطًا ولا تلقائيًا، بل هو حصيلة شروط لا تُحصى، يجتمع بعضها مع بعض اجتماعًا بالغ الدقة. فالحياة تحتاج إلى بيئة، والبيئة تحتاج إلى توازن، والتوازن يحتاج إلى ضبط، والضبط يستحيل أن يكون بلا علم ولا قصد.
ولهذا تبدو الأرض، في سياق الكون اللامتناهي، استثناءً ذا دلالة، لا استثناءً عشوائيًا. 

            فالكون مليء بالكواكب، لكن كوكب الحياة واحد. والنجوم لا تُحصى، لكن موطن الإنسان واحد. وهذا التفرّد المقرون بالتناسب الدقيق يشير بوضوح إلى أن الأمر ليس وليد الصدفة العمياء، ولا نتاج تفاعل مادي أعمى لا يهدف إلى شيء.
بل إن هذا الاستثناء البالغ المعنى يدل على إرادة واعية، وتخطيط محكم، وقصد سابق. فحيثما وُجد النظام، وُجد المنظِّم، وحيثما وُجد الإحكام، ثبت وجود الحكيم، وحيثما ظهرت الغاية، دلّت على القاصد.

             إن المشاهدات الكونية الحديثة ـ على خلاف ما يتوهمه بعض الناس ـ لم تُضعف الإيمان، بل عمّقته، وأعادت توجيه العقل الإنساني إلى الأسئلة الكبرى:
 من أوجد هذا الكون؟
 ومن أودع فيه هذا النظام؟ ومن هيّأ الأرض بهذه الصورة الفريدة؟
فالكون، كما تكشفه الرحلات الفضائية، ليس فوضى عمياء، بل كتاب مفتوح، كل صفحة فيه تنطق بالحكمة، وكل نظام فيه يشهد على القصد، وكل استثناء فيه يصرخ بأن وراء هذا الوجود خالقًا مريدًا، ومدبّرًا عليمًا، لا يفعل عبثًا ولا يخلق سدى.

            وخلاصة القول: 
         إن المشاهدة الكونية الحديثة قادت الإنسان إلى حقيقة كبرى، وهي أن الأرض ليست كوكبًا عاديًا في كون صامت، بل هي موطن مُعدّ بعناية، ومهيأ بإحكام، لوجود الإنسان وبقائه وأداء رسالته. وإن هذا التناسب الدقيق بين الإنسان وبيئته، وهذا الاستثناء العجيب في بحر الكواكب، دليل واضح على أن الخلق لم يكن مصادفة، بل كان فعلًا إراديًا، وتخطيطًا مقصودًا، وحكمة بالغة.
وهكذا يتحول النظر في السماء، والسفر في الفضاء، من مجرد مغامرة علمية، إلى رحلة إيمانية، تقود العقل إلى الإقرار، والقلب إلى الخشوع، والإنسان إلى الاعتراف بأن لهذا الكون ربًا حكيمًا، وخالقًا عليمًا، أحسن كل شيء خلقه، وجعل الأرض مهد الحياة، وآيةً قائمة على عظيم قدرته.



ابو خالد

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.