استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

رؤية فكرية في إحياء الأمة الإسلامية



           تعاني الأمة الإسلامية في هذا العصر من أزمة مركّبة، لا تنحصر على أزمة ضعفٍ ماديّ  ولا تراجعٍ سياسيّ فقط، بل تعاني قبل ذلك أزمة فكر ومنهج.
 
           فالأمة التي كانت يومًا ما شاهدةً على الناس، ومصدرَ هدايةٍ للعالم، أصبحت اليوم تعيش حالة من التشتّت والاضطراب، وفقدان الثقة، وضبابية الرؤية، حتى اختلط عليها سبيل النهوض، وتعدّدت عندها مشاريع “الإصلاح” و“الإحياء”، دون أن تبلغ الغاية المنشودة.

          ولا خلاف بين العقلاء أن إحياء الأمة الإسلامية أصبح اليوم ضرورةً شرعية وتاريخية، لكن الإشكال الجوهري لا يكمن في مبدأ الإحياء، وإنما يكمن في المنهج المعتمد لتحقيقه.

            فكم من أمة حاولت النهوض، لكنها أخفقت لأنها سلكت الطريق الخاطئ، وكم من حركة رفعت راية الإسلام، لكنها زادت الأمة ضعفًا على ضعفها.

           إن إحياء الأمة لا يمكن أن يتم بالعواطف الجيّاشة، ولا بالشعارات الرنّانة، ولا بتكرار تجارب الماضي دون وعيٍ ونقد.
بل لا بدّ – قبل كل شيء – من تحديد النموذج الصحيح الذي يُبنى عليه مشروع الإحياء.

          والحقيقة الكبرى التي لا تقبل الجدل هي أن النموذج الصحيح لإحياء الأمة واحدٌ لا يتعدد، وهو: النموذج النبوي.

         ذلك النموذج الذي أسّسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحيٍ من السماء، وسار عليه خطوةً بخطوة، في بيئة معادية، وظروف بالغة القسوة، دون أن يعتمد على سلطة، أو قوة مادية، أو إرث حضاري سابق.

           فالنموذج النبوي ليس  أحداث تاريخية، بل منهج متكامل يقوم على أصول ثابتة، من أهمها:
الدعوة قبل الدولة
بناء الإنسان قبل بناء الكيان
تصحيح العقيدة قبل تغيير الواقع
الصبر والتدرّج قبل استعجال النتائج
الاحتساب والإخلاص قبل الحسابات السياسية

         وقد حُفظ هذا النموذج حفظًا ربانيًا في السنّة النبوية والسيرة الشريفة، بحيث لم تترك للأمة عذرًا في الانحراف عنه أو استبداله.


بداية الانزلاق: 

          بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، دخلت الأمة مرحلة جديدة، هي مرحلة التاريخ الإسلامي، حيث واجه المسلمون تحديات السياسة، والحكم، والإدارة، والفتوحات، والاحتكاك بالحضارات الأخرى.
وهنا وقع الخلط الخطير:
فبدل أن يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها اجتهادًا بشريًا قابلًا للصواب والخطأ، تحوّلت – عبر القرون – إلى نموذجٍ مقدّس في الوعي العام.

            وقد ساهم في ذلك كثير من المؤرخين والوعّاظ الذين قدّموا التاريخ الإسلامي في صورة مثالية، زاخرة بالأمجاد والانتصارات، مع إغفال مواطن الانحراف، والصراعات، والفتن، والأخطاء البشرية.

نتيجةً لهذا التراكم، حدثت كارثة فكرية كبرى، وهي:
أن النموذج النبوي تراجع إلى الهامش، بينما أصبح النموذج التاريخي هو النموذج العملي للإحياء.
فنشأ جيل يتصوّر أن خلاص الأمة يكمن في:
إعادة الخلافة بصورتها التاريخية
أو إحياء الحضارة الإسلامية المادية
أو فرض الشريعة بالقوة
أو استعادة أمجاد الفتوحات
أو الصدام العنيف مع العالم باسم الجهاد
مع أن شيئًا من ذلك لم يكن هو المنطلق الأول للنبي ﷺ.


الحركات الإحيائية المعاصرة: 

           شهد العصر الحديث قيام حركات وجماعات كثيرة رفعت شعار “إحياء الأمة”، واستنفرت الطاقات، وحرّكت الجماهير، لكنها – بعد عقود طويلة – لم تحصد إلا الخيبة، والتمزّق، والمزيد من الضعف.
والسؤال الجوهري: لماذا فشلت؟
الجواب واضح:
لأنها لم تتحرّك وفق السنن الإلهية، ولم تلتزم بالمنهج النبوي، بل استعاضت عنه بنماذج تاريخية أو سياسية أو ثورية.
وقد ظنّ أصحاب هذه الحركات أن النصر يُنتزع بالقوة، أو بالعدد، أو بالهيمنة، بينما الحقيقة القرآنية تقول: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

              إن نصر الله لا يُعطى لمن يرفع اسم الإسلام فحسب، بل لمن يسير على منهج الإسلام كما أراده الله.
وسنّة الله في ذلك ثابتة لا تتغيّر:
لا نصر بلا دعوة
ولا دعوة بلا صبر
ولا صبر بلا تربية
ولا تربية بلا إخلاص
ومن هنا نفهم لماذا نُصرت الدعوة النبوية في مكة رغم الضعف، ولم تُنصر حركات معاصرة رغم كثرة أتباعها.
الفارق الجوهري بين النموذجين
يمكن اختصار الفرق بين النموذجين في هذا البيان:
النموذج النبوي:
نموذج إصلاحي، تربوي، دعوي، يبدأ من الداخل، ويخاطب القلوب والعقول، ويتعامل مع الواقع بوعيٍ وحكمة.

النموذج التاريخي:
نموذج سلطوي، صدامي، حضاري أو قومي، ينشغل بالشكل قبل الجوهر، وبالنتائج قبل المنهج.

والحاصل: 
           أن الأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى مراجعة شاملة صادقة، تعيد الاعتبار للنموذج النبوي، وتُنزله على الواقع المعاصر بفقهٍ وبصيرة.
فالإحياء الحقيقي لا يكون بإحياء الدول، ولا بإحياء الشعارات، بل بإحياء الإنسان المؤمن الذي يحمل رسالة الإسلام كما حملها الجيل الأول.
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وتلك هي سبيل النبي ﷺ، ومن حاد عنها فلن يذوق طعم النصر، مهما طال الطريق.

ولا أريد المخالفة بأي طريق سلكه جماعة من جماعات المسلمين إلا أن أوضح أن المنهج النبوي حري بأن يقتفى كما هو تماما. والله المؤفق.



أبو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.