استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

قانونُ السَّعْي: كَيْفَ نُبني النَّجَاحَ بِمِيزَانِ الحِسَابِ والعَمَل؟


*تمهيد: أزمةُ الاستعجال وضياعُ المجهود*

لماذا نرى الكثير من الأفراد والأمم يبذلون مجهوداتٍ شاقة ومع ذلك يظلون في مكانهم؟ يضعنا هذا المقطع من سورة الإسراء أمام السر المكنون؛ فالإنسان بطبعه ﴿عَجُولًا﴾، يريد قطف الثمار قبل نضج الأسباب. إنَّ النهضة ليست قفزة في الفراغ، بل هي رحلة انتقال من عشوائية التمني إلى انضباط محسوب؛ حيث لا يكفي أن نملك الإرادة القوية، بل لا بد أن نمنح لكل هدف سعيه الخاص الذي يناسبه، لكي لا نكون كمن يحاول تسيير سفينة على اليابس.

1. فقه الحساب: لماذا خَلَقَ اللهُ اللَّيلَ والنهار؟

قبل أن يطلب الله منا العمل، لفت أنظارنا إلى الساعة الكونية لنضبط عليها حركتنا؛ فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. إنَّ النعمة هنا ليست في الضوء والسكون فقط، بل في تعلم الحساب. فالنجاح يحتاج إلى توقيت، والأمة التي لا تحسب لزمنها حساباً وتعيش بغير خطة مدروسة للسنين تضيع في زحمة العجلة. الحساب هو الذي يحول الوقت من رمل يتسرب بين الأصابع إلى أحجار تُبنى بها الحضارات.
 2. الآية العمود: قانونُ السَّعي المَشكور

تنتصب الآية (19) كقانون الجدارة في هذا المقطع: ﴿وَمَنَ اَرَادَ اَ۬لَاخِرَةَ وَسَع۪يٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراٗۖ﴾. تأملوا كلمة (سَعْيَهَا)؛ فالأمر ليس مجرد تعب، بل هو عمل مخصوص يناسب عظمة الهدف. وبحسب الإمام القشيري رحمه الله، فإنَّ الإرادة وحدها لا تكفي، حيث يقول: «علامة مَنْ أراد الآخرةَ على الحقيقة أن يسعى لها سَعْيها؛ فإرادةُ الآخرة إذا تجرَّدَتْ عن العمل لها كانت مجرَّد إرادة، ولا يكون السعيُ مشكوراً». فالنهضة هي تسييل هذه الإرادة في قوالب العمل المتقن.

 3. جودةُ السعي في عيون المفسرين

أولاً: الجدارةُ والاستعدادُ العِلمي ( البقاعي):

يُحدد البقاعي سِر النجاح في مواصفات الأداء بقوله: «سعى لها سعيها، أي الذي هو لها، وهو ما كانت جديرة به من العمل بما يرضي الله.. إعلاماً بأن النية لا تنفع إلا مع العمل، إما بالفعل عند التمكن، وإما بالقوة عند عدمه». فالسعي المخصوص هو الذي يجعل الأمة تستحق الوصول لغاياتها.

ثانياً: قانونُ السفينة وإيقاعُ الحركة ( ابن عاشور):

يُحذر ابن عاشور من العجلة التي تضيع الأهداف: «حقيقة السعي: المشي دون العَدْوِ.. وفي الآية تنبيه على أن إرادة خير الآخرة من غير سعي غرور، وأن إرادة كل شيء لا بد لنجاحِها من السعي في أسباب حصوله. كما قال عبد الله بن المبارك: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس». فالنجاح هو احترام المسارات التي وضعها الله للأشياء.

ثالثاً: الشكرُ كنماءٍ لِلنتائج (القشيري):

يبين القشيري مآل هذا الانضباط: «{فأولئك كان سعيهم مشكوراً} أي مقبولاً، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير؛ فكما أن الصدقة يُرْبِيها كذلك طاعةُ العبدِ يُكْثِّرُها ويُنَمِّيها». فالشكر الإلهي هو محرك النمو الذي يجعل مجهودات الأمة الصادقة تثمر وتكبر.

الخاتمة:

التخلف عشوائية زمنية وعجلة في غير موضعها، والنهضة انضباط محسوب وسعي مخصوص لكل هدف. لا تكن عجولاً يطلب السفينة على اليَبس، بل كن محاسباً سننياً يشق مَسارات النجاح بعلم الحساب وصدق الإرادة. وحين يتحول مجهودك من تعب ضائع إلى سعي مشكور، يفتح الله لك ما لم تكن تحتسب: نمو الأثر في الدنيا، وعظم الأجر في الآخرة.



كتب حسان الحميني،
والله الموفق.




دعم:


رؤية جديدة وجيدة في هذا المقال، خاصة نقل كلمة " الحساب" في قوله تعالى:
(لتعلموا عدد السنين والحساب...) من الفهم اللفظي الى القراءة المفهومية!!

مفهوم *الحساب* هنا ليس محض العدد وعلم الحساب كالجبر والعد،،
كلا، بل ما ذلك هنا سوى الآلة او الآلية فقط!!

الحساب بالمفهوم السنني القرآني-الذي يكشفه أستاذنا حسان الحميني بارك الله فيه- هو نقل دقة الحساب، والعد والإحصاء وغيرها من آليات الضبط العلمي،، الى مجال التاريخ والحضارة والعمران والسنن!!!

وهنا، تستدعى الإرادة والوعي والنية والفعل الى الإنضباط..
وترك العشوائية والتسيب
الى :
السعي للأهداف بسعيها المناسب لها

وأول معيار لهذا الكشف:
أن الثمرات لا تظهر إلا عبر سلك مسارات الإثمار !!

وكأن مرور السنين وحسابها العددي مع افتقاد الإثمار، جواب من السنن الربانية بأن السعي لم يكن مشكورا !!

لأنه لم يسلك المسلك الحقيقي!!

وما استفدته من ذلك:
هو : 
أن لا حيلة للناس سواء في الدنيا او في الآخرة، إلا اتخاذ السبيل الحقيقي الى الأهداف
سبيل العلوم والأخلاق، لا غير!!

وإلا، فكل سعي شاطر في المراوغات وإتقان الغش ومهارات الخداع والكذب، فإلى انكشاف وفضح 

والله المستعان 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.