كم من معروفٍ بسيطٍ ظننّاه عابرًا، فإذا به يترك أثرًا لا يُنسى وبركةً لا تُقدَّر.
لفتت انتباهي اليوم قصة مشهورة تُروى عن رجل الأعمال سليمان الراجحي، وتحمل معنى عميقًا في أثر العطاء مهما بدا بسيطًا. و يُروى أنه في صغره لم توفر أسرته ريالًا واحدًا للمشاركة في رحلة مدرسية، فبادر أحد المدرسين وأعطاه هذا الريال. مرّت السنوات، وأصبح من كبار رجال الأعمال، ثم عاد يبحث عن ذلك المدرس وردّ له هذا “الدَّين” بما يفوق التصور، ( منزل ، سيارة ، راتب مدى الحياة ) . وقال له عبارته المؤثرة:
( فرحتي بذلك الريال يومها كانت أكبر من فرحتك اليوم بما أهديتك.)
هذه القصة تختصر معنى كبيرًا:
لا تستصغر عطاءً مهما كان بسيطًا، فأنت لا تدري أين يضع الله فيه البركة، وكيف يتضاعف أثره.
وهذا المعنى لا يقتصر على عمل الخير فقط، بل نراه أيضًا في عالم ريادة الأعمال؛ فكم من فكرة صغيرة أو مشروع متواضع نما مع الأيام حتى تجاوز كل التوقعات.
ويحضرني هنا مثال الكولونيل ساندرز، مؤسس KFC، الذي باع الشركة في بداياتها مقابل مليوني دولار، ثم أصبحت لاحقًا واحدة من أكبر سلاسل المطاعم في العالم.
وكذلك قصة وارن بافيت عندما اشترى شركة Nebraska Furniture Mart في صفقة شهيرة تقارب 60 مليون دولار، ثم تحولت مع الزمن إلى واحدة من أنجح استثماراته وأكثرها عائدًا.
والشاهد من كل ذلك أن الإنسان لا ينبغي أن يستحقر أي مساهمة، سواء في المال، أو الجهد، أو الكلمة الطيبة، أو حتى الفكرة التي يظنها صغيرة.
ومن المهم أيضًا ألا يقطع الإنسان عطاءً اعتاد عليه، فقد يكون هذا العطاء سببًا في البركة التي يعيشها وهو لا يشعر.
فالمساهمة في الخير، مهما كانت بسيطة، قد تكون سببًا في إطعام محتاج، أو إدخال السرور إلى بيت، أو تفريج كربة، وربّ دعوة صادقة تفتح لك أبواب الخير والرزق والطمأنينة.
فالبركة لا تُقاس بحجم العطاء، ولا بحجم البداية، بل بما يضعه الله فيها من أثر ونماء.
ومن يدري… لعلّ البركة التي ترافق حياتك اليوم، أو النجاح الذي تراه في مشروعك، إنما بدأ من معروفٍ صغير، أو فكرةٍ متواضعة، قدّمتها يومًا، ونسيته، ولم ينسه الله.
أخيرا : ما يكبر في الحياة ليس دائمًا ما يبدأ كبيرًا… بل ما وُضعت فيه البركة
زياد ريس
١٣/٤/٢٠٢٦
