استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

السؤال الحضاري الأكبر: كيف تنهض الأمة؟ وهل النهضة تبدأ من بناء تنظيمات متنافسة أم من بناء عقلية الأمة وقدرتها على التعاون والاعتصام؟


 النهضة بين الاعتصام والتحزب
هل تحتاج الأمة إلى مزيد من التنظيمات أم إلى إعادة بناء العقل المسلم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من أهم الأسئلة التي تواجه مشروع النهضة في عالمنا الإسلامي اليوم:
هل سبب تأخر الأمة هو قلة الأحزاب والتنظيمات؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بطريقة التفكير والتصورات التي تحكم العقل المسلم؟
لقد اعتاد كثير من الناس أن يبحثوا عن الحل في إنشاء جماعة جديدة أو تنظيم جديد أو مشروع جديد، بينما تشير سنن التاريخ والقرآن إلى أن النهضة تبدأ أولاً من بناء الإنسان والعقل والوعي، ثم تأتي المؤسسات والتنظيمات خادمة لهذا المشروع لا بديلاً عنه.
فالقرآن حين خاطب الأمة لم يخاطبها باعتبارها أحزاباً متفرقة، بل باعتبارها أمة واحدة ذات رسالة واحدة ومصدر هداية واحد.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
فالاعتصام جاء قبل كل شيء، وجاء بصيغة جماعية تشمل الأمة كلها، لا فئة منها دون أخرى.
إن جوهر النهضة ليس جمع الناس داخل تنظيم، بل جمعهم حول الوحي والرسالة والمقاصد الكبرى.
المشكلة الحقيقية
ليست أزمة الأمة في قلة العاملين للإسلام.
وليست في نقص الشعارات.
وليست في ضعف الحماس.
بل في غياب العقلية القادرة على تحويل الإيمان إلى عمران، والعقيدة إلى حضارة، والقيم إلى مؤسسات، والعلم إلى قوة.
لقد تحولت كثير من الجهود عبر العقود الماضية من بناء الأمة إلى بناء الكيانات، ومن صناعة الوعي إلى صناعة الأتباع، ومن توسيع دائرة التعاون إلى توسيع دائرة الانتماء التنظيمي.
فأصبحت الوسائل غايات، وأصبح الانتماء للتنظيم عند بعض الناس مقدماً على الانتماء للأمة.
وهنا تبدأ أزمة النهضة.
كيف يكون الاعتصام؟
الاعتصام ليس إلغاء التنوع.
وليس منع التخصص.
وليس إلغاء المؤسسات.
فالناس بطبيعتهم يتخصصون ويتعاونون في مشاريع متعددة.
لكن الفرق كبير بين تعدد التخصصات وبين تعدد الولاءات المتنازعة.
فالاعتصام يعني:
وحدة المرجعية العليا وهي الوحي.
وحدة المقاصد الكبرى للأمة.
احترام التنوع والاجتهاد.
التعاون فيما نتفق عليه.
إدارة الخلاف دون صراع.
تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الجماعة.
تقديم الحق على الأشخاص.
تقديم الرسالة على التنظيم.
فالنهضة لا تبنى بإلغاء الآخرين، بل ببناء مساحات التعاون بينهم.
من عقلية الجماعة إلى عقلية الأمة
أحد أسباب التعثر الحضاري أن كثيراً من المشاريع تحركت بعقلية "كيف نكبر نحن؟"
بينما سؤال النهضة الحقيقي هو:
"كيف تكبر الأمة؟"
هناك فرق بين من يفكر في توسع تنظيمه، ومن يفكر في نهضة أمته.
الأول يبحث عن الأنصار.
أما الثاني فيبحث عن بناء الإنسان.
الأول يقيس النجاح بعدد الأتباع.
أما الثاني فيقيس النجاح بمقدار ما تحقق من علم وقيم ومؤسسات وإنجاز حضاري.
النهضة تبدأ من إعادة تشكيل العقل
إن الأمة اليوم تحتاج إلى ثورة معرفية هادئة تعيد تشكيل العقل المسلم ليعود إلى سنن الله في الكون والتاريخ.
تحتاج إلى عقل:
يفهم الوحي فهماً مقاصدياً.
يدرك سنن النهوض والسقوط.
يتقن لغة العصر والعلوم الحديثة.
يحترم التخصص والخبرة.
يتجاوز عقلية الانتظار إلى عقلية الفاعلية.
ينتقل من ردود الأفعال إلى صناعة المستقبل.
فالمنتصر في هذا العصر ليس من يملك أمجاد الماضي، بل من يحسن توظيفها لبناء الحاضر وصناعة المستقبل.
الخاتمة
إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الرايات بقدر حاجتها إلى مزيد من الوعي.
ولا تحتاج إلى مزيد من الانتماءات الضيقة بقدر حاجتها إلى توسيع دوائر التعاون.
ولا تحتاج إلى مزيد من الصراعات الفكرية والتنظيمية بقدر حاجتها إلى مشروع نهضوي جامع يعيد وصل الأمة بالوحي والسنن والعلم والعمل.
فالاعتصام الذي أمر الله به ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل هو قانون حضاري.
وكل مشروع يؤدي إلى مزيد من التنازع والتشظي يستحق المراجعة.
وكل مشروع يزيد من وعي الأمة ووحدتها وقدرتها على البناء والعمران فهو أقرب إلى روح الوحي ومقاصد النهضة.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
إنها ليست آية للوحدة فقط، بل خارطة طريق للنهضة.
هذه الصياغة أقرب إلى فكر جاسم سلطان ومشروع النهضة؛ إذ تنقل النقاش من مجرد نقد الأحزاب إلى طرح بديل حضاري: بناء عقلية الأمة، وفقه السنن، والاعتصام حول المقاصد الكبرى، وتحويل التنوع إلى تكامل بدلاً من التنازع.



د.سامر الجنيدي_القدس

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.