يُعد الغش صورة من صور الخداع والتدليس، واعتداءً صريحًا على الحقوق، لأنه يمنح ما لا يستحق لمن لا يستحق، ويهدر حق من اجتهد وبذل الجهد وسلك الطريق المشروع للوصول إلى النجاح. ولذلك كانت مشاركة الإنسان في الغش، سواء بالفعل أو بالمساعدة أو بالتستر، مخالفةً صريحة للقيم الدينية والأخلاقية التي تقوم عليها المجتمعات السوية.
وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدةً واضحة لا تقبل التأويل حين قال: «من غشنا فليس منا»، وهو حديث يحمل في معناه رفضًا قاطعًا لكل أشكال الغش والخداع، مهما اختلفت صورها أو تعددت مبرراتها.
ومع الأسف، أصبح البعض يتساهل في الغش، سواء في التجارة وتحقيق الأرباح، أو في الامتحانات المدرسية والجامعية، بل إن هناك من يحاول تبرير هذا السلوك بحجج واهية، فيدّعي أنه يساعد طالبًا أو يخفف عنه صعوبة الامتحان، متناسيًا أنه بذلك يقتنص حقًا ليس من حقه، ويمنحه لمن لم يجتهد ولم يبذل جهدًا، على حساب من سهر وذاكر وتعب من أجل الوصول إلى النجاح بجدارة واستحقاق.
إن من يسهّل الغش أو يشارك فيه، مقابل مال أو مصلحة أو حتى بدافع المجاملة والخوف من ردود الأفعال، يكون قد فرّط في أمانة عظيمة، وخان قيمة من أهم القيم التي يقوم عليها المجتمع، وهي العدالة. فالمال الذي يُكتسب من خلال هذه الممارسات مال لا بركة فيه، لأنه جاء نتيجة الإعانة على الباطل والتفريط في الحقوق.
ولا تقتصر خطورة الغش على فرد بعينه، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله، حيث تؤدي إلى ضياع الحقوق، وإهدار مبدأ تكافؤ الفرص، وغياب العدالة في توزيع الأدوار والمسؤوليات. فحين يحصل غير المستحق على مكانة أو وظيفة أو شهادة لا يستحقها، يُحرم منها من هو أحق بها وأكثر كفاءة.
كما أن الإنسان الذي يعتاد الغش يصبح مع مرور الوقت شخصًا اتكاليًا، يعتمد على الطرق السهلة للوصول إلى أهدافه، ويفقد القدرة على الاجتهاد وتحمل المسؤولية. ومع تكرار هذا السلوك، تتكون لديه قناعة خاطئة بأن النجاح يمكن تحقيقه دون عمل أو جهد، فيسعى دائمًا إلى الحصول على ما ليس من حقه بشتى الوسائل، متجاوزًا القيم الدينية والأخلاقية التي تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره.
إن محاربة الغش ليست مسؤولية المؤسسات التعليمية وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام وكل فرد في المجتمع. فبناء الأوطان لا يكون بالغش والخداع، وإنما بالعلم الحقيقي، والعمل الجاد، والصدق، والأمانة، واحترام حقوق الآخرين.
وسيظل الغش مرفوضًا دينًا وأخلاقًا وقانونًا، لأن الأمم لا تنهض إلا بالكفاءة والاستحقاق، ولا تستقر إلا حين يأخذ كل ذي حق حقه، بعيدًا عن التدليس والخداع والتزييف.
بقلم: محمود عبدالله الباز
دعم:
كلام سليم بارك الله فيك
مع أنني أود معالجة مثل هذه الظواهر بمنهجية استقرائية وتطبيقية!!
ولو بالحد الأدنى..مثل أخذ عينات محددة من الواقع ومعالجة كل واحدة بعمق على حدة ..
وذلك لأجل مزيد فهم وتحديد لأسباب وشبكات الظاهرة فيمكن بعد ذلك وضع برامج عملية عادلة وملموسة لرفع تحدياتها !!
مثلا:
بعد مجادلة بعض التلاميذ حول وسائل الغش في إمتحانات الباكالوريا، كان ردهم:
" ...ونحن أيضا تعرضنا لغش ممنهج لسنوات!!"
- كيف ذلك!!؟
-أستاذة الفيزياء!!
(نطق ثلاثة او اربعة منهم دفعة واحدة)!!
-ما بها أستاذة الفيزياء!!؟
- لا تكاد تحسن قراءة الدرس!! فكيف بشرحه !!؟؟
- لا يعقل!! وكيف أصبحت أستاذة !؟
- بل يعقل ( نطقوها معا في آن واحد)، ما منا أحد إلا ضاعت منه سنة أو سنتأن بلا فيزياء بسببها !!
- ولكن توجد إدارة وقوانين!!
- وتوجد قوى فوق الإدارة والقوانين!!وليس لنا سوى حياة واحدة لكل منا لا يجب أن نتأخر فيها بسبب غش هيكلي أكبر
إذن لإصلاح حقيقي لابد من رؤية كلية موحدة وذات هدف كبير واحد : يجد فيه الجميع نفسه وحقه وواجبه
