استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

القرآن روح الحياة


         كثيراً ما ينشغل الإنسان في مسيرته العلمية والعملية بتفاصيل متشعبة، تتوزع فيها الجهود، وتتكاثر فيها الاهتمامات، حتى لا يبقى للنفس متسعٌ للنظر في الأصل الذي ينبغي أن تدور حوله تلك الجهود جميعاً. ولا تظهر خطورة هذا التشتت في بدايات الطريق، بل تنكشف حقيقته عند طول التجربة، حين يلتفت المرء إلى عمره فيرى ما الذي كان أجدر بأن يُقدَّم، وما الذي كان أولى أن يُؤخَّر. ومن هنا جاءت كلمات المراجعة الصادقة على ألسنة كبار الأئمة، لا بوصفها عجزاً أو تقصيراً، بل بوصفها ثمرة وعيٍ ناضج، وبصيرةٍ اكتملت بعد الامتلاء.
          وحين يقول سفيان الثوري، وهو الإمام الحافظ، والزاهد المعروف، الذي اجتمع له من العلم والعمل والورع ما لم يجتمع لغيره: "ليتني كنت اقتصرت على القرآن"، فلا يصح أن تُفهم كلمته على ظاهرها السريع، وكأنها تقليل من شأن ما حصّل من علوم أو ما بذل من جهود، وإنما تُفهم في سياقها الصحيح سياق من عرف قيمة الأصل بعد أن طاف بالفروع، وأدرك أن كل انشغال لا يكون القرآن مركزه يظل ـ مهما عظم ـ معرضاً للنقص. فإذا كان هذا إحساس رجلٍ بلغ تلك المنزلة، فكيف بمن لم يبلغ شأواً قريباً منها؟
           ويزداد المعنى وضوحاً حين نقرأ اعتراف شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من هو في سعة الاطلاع، وقوة الاستدلال، وكثرة الإنتاج، حين يقول: "وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن". فهذا الندم لا يصدر عن مفرِّط، بل عن رجلٍ ملأ وقته علماً وجهاداً وبياناً، ثم أدرك أن الاشتغال بمعاني القرآن كان أجدر بأن يستغرق النصيب الأكبر من العمر. وإذا كان هذا حال من لم يُعرف عنه ضياع وقت، فكيف يُقاس عليه حال من بدّد الساعات فيما لا يورث علماً ولا يقيناً؟
           ومن هنا نفهم لماذا جعل السلف القرآن ميزان المحبة، لا مجرد موضوع من موضوعات العبادة. قال سفيان بن عيينة: "لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله، فمن أحب القرآن فقد أحب الله". فالقرآن عندهم كان مظهراً عملياً لعلاقة القلب بالله. ولهذا جاءت كلمة ابن القيم دقيقةً في هذا الباب، إذ قرر أن محبة الله تُعرف من موضع القرآن في القلب، لا من كثرة الادعاء ولا من زخرف الكلام.
           ولم يكن هذا التعظيم للقرآن تعظيماً وجدانياً مجرداً، بل كان قائماً على وعيٍ عميق بطبيعته العلمية. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين". وهي كلمة تكشف أن القرآن ليس منافساً للعلم، بل هو أساسه الجامع، وأن سائر المعارف إنما تستقيم إذا رُدّت إليه. ولهذا قال كعب الأحبار إن القرآن فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم، لأن العقل إذا استقل عن الوحي ضاق أفقه، وإن كثرت معطياته.
     ثم إن السلف لم يتحدثوا عن القرآن حديث تنظير، بل حديث معايشة وتجربة. فقد شهدوا بأن الاشتغال بالقرآن لا يسرق الوقت، بل يباركه. قال بعضهم: كلما زاد حزبي من القرآن زادت البركة في وقتي.
 وأكد الضياء المقدسي هذا المعنى حين ربط بين كثرة القرآن وتيسير العلم سماعاً وكتابةً. وهذا يدل على أن القرآن إذا قُدِّم في سلم الأولويات انصلحت به بقية الأعمال.
وتجاوز أثر القرآن عندهم حدود الفرد إلى محيطه القريب. فالبيت الذي يُتلى فيه القرآن، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه، يتسع بأهله ويكثر خيره، لا بحساب المادة، بل بحضور السكينة ونزول الطمأنينة. ولهذا قال قتادة: اعمروا به قلوبكم واعمروا به بيوتكم. فجعل العمارة القلبية مقدمة لكل إصلاح ظاهر.
وكان الحسن البصري، وهو من أفقه الناس بأحوال القلوب، يرى أن الغنى الحقيقي لا يُنال إلا بالقرآن، وأن الفقر الحقيقي يبدأ من الإعراض عنه. ثم وضع ميزاناً عملياً دقيقاً، حين دعا إلى تفقد الحلاوة في القرآن، فإن وُجدت دلّت على سلامة الطريق، وإن فُقدت كشفت عن خلل في الصلة، لا في النص.
ولهذا كانوا يحذرون من القراءة التي لا تُحدث أثراً. قال ابن مسعود رضي الله عنه: قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب.
 وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن. فالشبع من القرآن ليس علامة اكتمال، بل علامة قسوة، لأن القلب السليم لا يملّ من غذائه.
ثم جاءت وصاياهم صريحة لا لبس فيها. أوصى أُبيّ بن كعب باتخاذ القرآن إماماً وحكماً، لا كتاب تبرك ولا زينة ثقافة.
 وأكد عبد الله بن عمر ضرورة تعلّمه وتعليمه للأبناء، مذكّراً بأن السؤال عنه واقع، والجزاء به محتوم.
 وهذه الوصايا لا تصدر إلا عن يقين بأن القرآن هو معيار النجاة، لا هامش الصلاح.
وإذا جُمعت هذه الشهادات كلها، وتُليت في سياق واحد، تبيّن أن كلمات الندم التي صدرت عن أولئك الأعلام لم تكن تواضعاً لفظياً، بل كانت تنبيهاً عملياً للأمة. فهم ـ مع قربهم من القرآن ـ تمنّوا لو ازدادوا له تفرغاً، فكيف يُتصوَّر الاطمئنان ممن جعله في آخر الاهتمامات، أو قنع منه بأدنى الصلة؟
وبهذا يتضح أن القرآن في وعي السلف لم يكن مرحلة من مراحل السير، بل كان محور العمر كله؛ من جعله في المركز استقامت له بقية الدوائر، ومن أزاحه إلى الهامش اختلّ عليه كل شيء، وإن بدا في الظاهر كثير الحركة عظيم الانشغال.


أبو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.