استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

تَغَيُّر الأَحْوَالِ فی ضوء القرآن



            إن من أعظم الأخطاء الفكرية التي يقع فيها الإنسان فردًا كان أو أمة  ظنُّه أن مسار الحياة يمكن أن يستقيم على حالٍ واحدة، أو أن التاريخ قادرٌ على أن يمنح طرفًا بعينه نصرًا دائمًا لا يزول، أو هزيمةً أبدية لا تنقضي. فالعالم، في جوهر تكوينه، ليس دارَ ثباتٍ ولا مقامَ استقرار، وإنما هو ميدانُ تحوُّلٍ دائم، وساحةُ ابتلاءٍ متجدد، تخضع لحركةٍ مستمرةٍ من التغير والتبدل، وفق سننٍ إلهيةٍ لا تحابي أحدًا ولا تستثني أحدًا.
            
            وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الكبرى بعبارةٍ موجزةٍ لكنها عميقة الدلالة، حين قال الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ۔
(آل عمران: ١٤٠)
          فهذه الآية هي إعلانٌ قرآنيٌّ عن قانونٍ كونيٍّ شامل، يحكم حركة الأمم، ويضبط إيقاع التاريخ، ويضع الإنسان أمام حقيقةٍ لا مهرب منها: وهي أن الأيام لا تثبت لأحد، وأن الغلبة ليست قدرًا دائمًا، كما أن الهزيمة ليست مصيرًا أبديًا.

من الواقعة إلى القانون الارتقاء القرآني بالحدث التاريخي

           لقد جاءت هذه الآية في سياق غزوتي بدر وأُحد، حيث ذاق المسلمون طعم النصر في الأولى، ثم تجرعوا مرارة الهزيمة في الثانية. غير أن القرآن لم يتعامل مع هاتين الواقعتين بمنطق السرد التاريخي البارد، ولا بمنطق التبرير العاطفي، بل ارتقى بهما إلى مستوى السنن التاريخية العامة. فربط بين الحدثين ربطًا واعيًا، وأخرج منهما قاعدةً كلية، تصلح لفهم الماضي، وتحليل الحاضر، واستشراف المستقبل.
فالنصر في بدر لم يكن إعلانًا بتفوقٍ أبدي، والهزيمة في أُحد لم تكن حكمًا بالإقصاء النهائي، وإنما كان كلاهما تجليًا لسنة التداول، التي تجعل من التاريخ حركةً دائبة، لا تعرف الجمود ولا تقبل التوقف.

             إن قوله تعالى: نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ۔ يحمل في طياته تصورًا عميقًا لطبيعة الوجود الإنساني. فالعالم لم يُخلق على أساس التوازن الساكن، بل على أساس التدافع والمنافسة. وهناك دائمًا صراعٌ بين الأفكار، وتنافسٌ بين المشاريع، وتدافعٌ بين المصالح، وكل ذلك جزءٌ من البناء الكوني الذي أراده الله لهذه الدنيا.
وهذا التدافع ليس خللًا في النظام، بل هو عينُ النظام نفسه. إذ لولاه لركدت الحياة، وجمدت العقول، وتوقفت حركة الإبداع. فالتحدي يولد الوعي، والمنافسة توقظ الطاقات، وتغير الأحوال يمنع الأمم من الاستغراق في الوهم أو الاستسلام للكسل.

            ومن أخطر ما تواجهه الأمم في مسيرتها التاريخية الاختلال النفسي في التعامل مع النصر أو الهزيمة. فالنصر إذا لم يُستقبل بعقلٍ متزن، تحول إلى غرورٍ قاتل، يدفع الأمة إلى الاستعلاء، ويغريها بإهمال سنن العمل والأخذ بالأسباب. والهزيمة، إذا لم تُفهم فهمًا صحيحًا، تتحول إلى يأسٍ مُقعد، يُشلّ الإرادة، ويُميت روح المبادرة.
ولهذا كان القرآن حريصًا على تربية المؤمنين على الاعتدال النفسي؛ فلا إفراط في الفرح عند النصر، ولا تفريط في الأمل عند الهزيمة. فالكلُّ عنده مراحل، والكلُّ محكومٌ بسنة التداول.

           إن المنهج القرآني لا يدعو إلى البكاء على الأطلال، ولا إلى الانشغال بالاحتجاج على الواقع، وإنما يدعو إلى الفهم ثم العمل. فحين تتغير الموازين، ويخسر قومٌ جولةً من جولات الصراع، فإن المطلوب منهم ليس الاعتراض على القدر، ولا اتهام التاريخ بالظلم، وإنما مراجعة الأسباب، وتشخيص الخلل، ثم إعادة التخطيط من جديد.
فالشكوى لا تُعيد نصرًا، والاحتجاج لا يُغيّر سننًا، وإنما الذي يُغيّر الواقع هو الوعي بحقيقته، والتعامل معه بعقلٍ بارد، وإرادةٍ صلبة.

           إن الاعتراض على تقلب الأحوال، في حقيقته، اعتراضٌ على طبيعة الوجود نفسه. فهو يشبه من يطالب بوردةٍ بلا شوك، أو من يريد ليلًا بلا ظلام، أو صيفًا بلا حر. وهذا لونٌ من التفكير المثالي الساذج، الذي لا ينسجم مع قوانين الفطرة، ولا مع سنن الله في الكون.
فكما أن تعاقب الليل والنهار ضرورةٌ كونية، فإن تعاقب النصر والهزيمة ضرورةٌ تاريخية. ومن يرفض ذلك، لا يُغيّر شيئًا من الواقع، وإنما يزيد من اغترابه عنه، ويضاعف من معاناته النفسية والفكرية.

           إن الوعي بسنة تداول الأيام بين الناس ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة حضارية. فمن فهم هذه السنة، عاش متوازنًا، وتعامل مع التاريخ بعقلٍ راشد، ولم تُربكه التحولات، ولم تُغره الانتصارات. أما من جهلها، فإنه يظل في صراعٍ دائمٍ مع الواقع، ويستهلك طاقته في الشكوى بدل البناء.
وهكذا يقدّم القرآن الكريم، من خلال آيةٍ واحدة، إطارًا شاملًا لفهم التاريخ، وتحليل الواقع، وبناء الموقف النفسي والفكري السليم تجاه تقلبات الحياة.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ… كلمةٌ قليلة، لكنها تختصر فلسفة التاريخ بأكملها.
والله أعلم، وهو أحكم الحاكمين.

ابو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.