استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

من تتبع الأثر إلى ذاكرة المستقبل


حين أُهبط الله آدم إلى الأرض، لم يكن الهبوط نفياً أبدياً، بل كان مهمة مؤقتة محكومة بـ أجل. وفي هذا الميدان، لم يترك الله الإنسان أعزل أمام كيد الشيطان، بل أرسل له قوة إسناد (الرسل عليهم الصلاة والسلام). 
هذا المقال يقرأ في مفاتيح النجاة التي تطرحها سورة الأعراف، مبيناً أن وظيفة الرسل ليست مجرد سرد أخبار، بل هي بناء ذاكرة مستقبلية تحمي الإنسان من الغفلة قبل الأجل.

الآية العمود: حبل النجاة.. رسل منكم يقصون
إن الآية التي تمثل العمود في هذا المقطع (الثمن) هي قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِےٓ ءَادَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٞ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُۥٓ ءَايَٰتِے فَمَنِ اِ۪تَّق۪يٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَۖ﴾ (33).
كلمة يَقُصُّونَ لغوياً تعني تتبع الأثر. ولكن كيف نتتبع أثر مستقبل لم يقع بعد؟
هنا نتحدث عن الذاكرة المستقبلية. فقد حبانا الله بعقل يستطيع تخيل المستقبل والتخطيط له عبر تركيب صور مستمدة من حقائق ثابتة (الوحيين) وتجارب الأنبياء (السيرة)،
فوظيفة الرسل هي أنهم يجمعون آثار الحق والسنن الإلهية (الآيات)، ويرتبونها أمامك بدقة، ليمكنوا عقلك من بناء صورة مستقبلية واضحة للنجاة والهلاك. إنهم يرسمون لك الطريق لتمشيه وكأنك تتبع أثراً مرئياً، فلا تضل ولا تشقى.

قوة الإسناد: الرسل عونٌ لا عبء
في معركتنا مع الشيطان الذي يتربص بنا، يأتي الرسل كـ قوة إسناد.
ويؤكد ابن عاشور رحمه الله هذا المعنى قائلاً:
«أكد به تحذيرهم من كيد الشّيطان وفتونه... ثمّ عزّز ذلك بإعلامه إياهم أنّه أعانهم على الاحتراز من الشّيطان، بأن يبعث إليهم قوماً من حزب الله».
فالرسل لم يأتوا ليطلبوا أجراً أو يصنعوا مجدا أو ليُعبدوا كآلهة، بل جاؤوا إعانة لك لترى مخالب الفتنة قبل أن تقع فيها.

مفاتيح النجاة: اتقى وأصلح
ما هي الثمرة العملية لهذا القص؟ تجيب الآية: ﴿فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ﴾.
ويفسر البقاعي رحمه الله الإصلاح بـ الاقتفاء، فيقول:
«وأصلح: أي عمل صالحاً باقتفاء آثارهم».
بما أن الرسل قصوا الأثر الصحيح، فدورك هو أن تضع قدمك في موضع أقدامهم. فالتقوى هي كوابح تمنعك من الانزلاق نحو الاستغناء والاستبداد، والإصلاح هو حركة في الاتجاه الصحيح الذي رسمته الذاكرة المستقبلية.

إدارة الوقت: المهلة والآجال
كل هذا يجري تحت ضغط الزمن: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾.
الحياة فرصة مؤقتة. الرسل يأتون داخل الأجل، وبناء الذاكرة المستقبلية والعمل بموجبها يجب أن يتم قبل انقضاء المهلة. فبمجرد انتهاء الأجل، تتحول الذاكرة إلى واقع لا مفر منه، وحينها لا ينفع الندم ولا اللعن المتبادل ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.

الخاتمة : لا خوف عليهم
المعادلة واضحة: من استخدم آيات الرسل ليبني رؤيته للمستقبل (ذاكرة مستقبلية)، ثم تحرك بموجبها (اتقى وأصلح)، فقد حاز الأمان المطلق ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.


كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.