استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

هندسة المفاهيم في الميدان: المقال 1 : مدخل لدراسة الحالة - لغز "مسجد التبريد المفتوح"


مقدمة: من الافتراضية إلى الواقع
بعد رحلة نظرية طويلة وعميقة في عالم المفاهيم، حان الوقت للانتقال من حالة حليمة الافتراضية إلى حالة واقعية، ومن رسم الخرائط الفكرية إلى السير في دروب الواقع. فالفهم الحقيقي لأهمية المفاهيم لا يكتمل إلا عندما نرى أثرها الملموس في حياتنا اليومية، ونتعلم كيف نستخدم الأدوات التي اكتسبناها في تحليل ومعالجة المشكلات الواقعية، مهما بدت بسيطة في ظاهرها.
هذه السلسلة التطبيقية ستكون بمثابة "مختبر" نحاول فيه تطبيق "هندسة المفاهيم" على حالة واقعية ومحددة. سننطلق من وصف ظاهرة تبدو للوهلة الأولى مجرد سوء تصرف بسيط، ثم سنغوص معًا، خطوة بخطوة، لتحليل طبقاتها المفاهيمية والنفسية والاجتماعية الكامنة، وصولًا إلى اقتراح منهجيات للتعامل معها. دراستنا للحالة ستكون حول ما سنطلق عليه مجازًا: لغز "مسجد التبريد المفتوح".
 
وصف الوضعية :
المكان: مسجد صغير يقع في حي ذي طابع قروي، حيث غالبًا ما تكون العلاقات الاجتماعية قوية والأعراف التقليدية مؤثرة.
السياق الزمني والمناخي: فصل الصيف، الذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة الشديدة، مما يجعل الحاجة للتبريد ضرورية لراحة المصلين.
الأدوات المتاحة: يمتلك المسجد جهاز تبريد (مكيف هواء - Climatiseur) ومراوح سقفية .
الفاعل الرئيسي: شخص مكلف بالمسجد، سنطلق عليه "القيّم"، وهو الذي يتولى مهمة تشغيل وصيانة هذه الأجهزة.
السلوك الملاحظ: يقوم القيّم، بشكل منهجي ومتكرر، بتشغيل كل من جهاز التبريد (المكيف) والمراوح في نفس الوقت. ولكن، وفي تناقض ظاهري، يقوم بفتح جميع أبواب المسجد ونوافذه عن آخرها.
الفاعلون الثانويون (المصلون): باقي الوافدين على المسجد، بمن فيهم شخصيات يُفترض أنها ذات مستوى تعليمي جيد (مثل متقاعدين من قطاع التعليم)، يظهرون تواطؤًا ضمنيًا أو صريحًا مع هذا السلوك، إما بالصمت المطبق أو بالموافقة الضمنية.
الإشكالية الظاهرية :
للوهلة الأولى، تبدو المشكلة واضحة ومباشرة:
سوء الاستخدام والهدر: من منظور فيزيائي وتشغيلي، يُعتبر فتح الأبواب والنوافذ أثناء عمل مكيف الهواء سلوكًا يؤدي إلى هدر كبير للطاقة، وإرهاق لجهاز التبريد، وتقليل حاد من كفاءته، مما يتنافى مع مبدأ حفظ موارد المسجد التي هي بمثابة مال وقف، يعني أمانة.
الإصرار والمقاومة: هذا السلوك ليس خطأً عابرًا، بل هو نمط مستمر تكرر لاحظته على مدى موسمين صيفيين. والأهم من ذلك، أن محاولة التنبيه لهذا الخطأ في المرة الأولى قوبلت باستجابة انفعالية من القيّم.
التواطؤ الجمعي: لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن أحد المصلين قام لاحقًا بتوجيه ملاحظة لمن انتقد الوضع مفادها "ما كان ينبغي لك ان تشير، فالبيئة لا تسمح بذلك"، مما يؤكد أن المشكلة ليست فقط في قناعة فرد، بل في منظومة مفاهيم اجتماعية سائدة تحمي السلوك الخاطئ وتجعل تغييره أصعب.
الإشكالية المفاهيمية الكامنة :
هنا يبدأ عملنا كـ "مهندسي مفاهيم". فالسلوك الظاهري ليس إلا قمة جبل الجليد، وهو تجلٍ لشبكة مفاهيمية كامنة، قد تكون جماعية أو على الأقل سائدة داخل هذه البيئة. يمكننا طرح الفرضيات التالية حول المفاهيم الخاطئة أو المشوهة التي قد تكون وراء هذه الظاهرة:
خلل في المفهوم التقني: غياب مفهوم أن المكيف يعمل على تبريد حجم هواء مغلق ومعزول، وهيمنة مفهوم بدائي يخلط بين وظيفة المكيف ووظيفة المروحة (تحريك الهواء).
هيمنة المفاهيم التقليدية: سيطرة مفاهيم متجذرة في البيئة القروية مثل أن "التهوية الطبيعية" و"فتح النوافذ" هو دائمًا أمر صحي ومبارك، وأن "غلق الأبواب" يجلب "الكتمة" أو يمنع "البركة".
هيمنة مفاهيم العلاقات الاجتماعية: يتضح من رد فعل المصلي أن هناك مفاهيم اجتماعية مهيمنة مثل "تجنب الفتنة"، أو "احترام الكبير بشكل سلبي"، والتي تعتبر أن الحفاظ على هدوء العلاقات الظاهري أهم من تصحيح الأخطاء العملية.
فشل النخبة المثقفة: صمت المتعلمين قد يكشف عن فصل بين معرفتهم النظرية وبين تطبيقها العملي، أو هيمنة مفهوم "إيثار السلامة" على مفهوم "المسؤولية المعرفية والأخلاقية" ويمكن أن تكون لهم مبادرات فاشلة ألزمتهم الصمت.
السؤال المركزي للدراسة:
بناءً على ما سبق، يصبح سؤالنا المركزي، الذي ستحاول المقالات التالية الإجابة عليه، أكثر تركيبًا وعمقًا:
كيف يمكن "هندسة" الشبكة المفاهيمية السائدة داخل جماعة هذا المسجد لمعالجة هذه الظاهرة المركبة؟ أي، كيف يمكن التعامل مع هذا التفاعل المعقد بين المفاهيم التقنية الخاطئة، والمفاهيم التقليدية المهيمنة، والمفاهيم الاجتماعية المعيقة، بهدف ترسيخ مفاهيم سليمة (كالترشيد، والمسؤولية، وفقه السنن الكونية) وتعديل السلوك، كل ذلك بأسلوب حكيم يراعي طبيعة البيئة والعلاقات الإنسانية ويتجنب ردود الفعل السلبية؟
في المقال التالي، سنبدأ الخطوة الأولى في هذه الهندسة: التشخيص المفاهيمي العميق وتفكيك الشبكة المفاهيمية السائدة في هذه الحالة.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.