مقدمة: ما وراء السلوك - الغوص لتشخيص الجذور
في المقال السابق، عرضنا حالة "مسجد التبريد المفتوح" التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف عن طبقات من التعقيد عند الفحص. فالسلوك المتمثل في فتح النوافذ أثناء عمل المكيف، ورد الفعل الانفعالي للمسؤول، والصمت المتواطئ من المصلين، ليست مجرد أفعال عشوائية، بل هي "أعراض" لشبكة مفاهيمية كامنة تحكم تفكير وسلوك هذه المجموعة.
وكما لا يمكن للطبيب أن يصف علاجًا ناجعًا دون تشخيص دقيق للمرض وأسبابه الجذرية، فإننا كـ "مهندسي مفاهيم" لا يمكننا اقتراح حلول فعالة دون تفكيك هذه الشبكة المفاهيمية وفهم ديناميكياتها. هذه هي مهمتنا في هذا المقال: تشخيص "بيئة المفاهيم" السائدة في هذه الحالة. من المهم التنبيه على أن التحليل التالي هو محاولة اجتهادية لوضع فرضيات حول المفاهيم المحتملة التي قد تكون وراء السلوك الملاحظ، وهو ليس قراءة قطعية لما في النفوس، بل هو إطار عمل تشخيصي أولي يساعدنا على فهم الظاهرة بعمق أكبر.
أولاً: تحديد المفاهيم الحاكمة والمهيمنة
هذه هي المفاهيم القوية التي تملك "السلطة العليا" في توجيه السلوك وتفسير الواقع لدى الفاعلين في هذه الحالة. يبدو أن هناك ثلاثة مفاهيم حاكمة تتصارع أو تتفاعل:
مفهوم "التهوية الطبيعية كقيمة صحية عليا": الاعتقاد الراسخ بأن الهواء الطلق المتجدد هو دائمًا أفضل وأصح، وأن الأماكن المغلقة تسبب "الكتمة" أو "الغم" أو حتى المرض. هذا المفهوم قوي جدًا خاصة في البيئات القروية والتقليدية، ويجعل فعل "فتح النوافذ" سلوكًا إيجابيًا وبديهيًا يتغلب على أي فهم تقني آخر.
مفهوم "تجنب المواجهة حفاظًا على الوئام": الاعتقاد بأن إثارة الخلاف أو توجيه النقد المباشر، خاصة في مكان مقدس كالمسجد ولشخص مسؤول أو كبير في السن، هو "فتنة" أو سلوك غير لائق يهدد الوئام الظاهري للعلاقات الاجتماعية. هذا المفهوم يفسر صمت المصلين وتواطؤهم، حيث يجعل من السكوت "فضيلة" ومن النقد البناء "رذيلة" اجتماعية.
مفهوم "المسؤولية الشخصية والمنصب": قد يحمل القيّم مفهومًا مفاده أن مسؤوليته عن المسجد تمنحه سلطة معرفية وعملية مطلقة في شؤونه. وبناءً عليه، فإن أي ملاحظة أو نقد يُفسر على أنه ليس نصيحة، بل تشكيك في أمانته أو كفاءته أو سلطته، مما يثير رد فعله الانفعالي للدفاع عن مفهومه لذاته ومكانته.
ثانياً: تحديد المفاهيم الخانسة والمستترة
هذه مفاهيم تعمل في الخلفية دون أن يتم التعبير عنها صراحة، لكنها تعزز المفاهيم الحاكمة وتؤثر في القرارات:
مفهوم "البركة في الطبيعة": قد يكون هناك شعور ضمني بأن الهواء القادم من الخارج "هواء من الله" يحمل بركة لا يجب حجبها، مقابل "الهواء الاصطناعي" للمكيف.
مفهوم "الجسد كمعيار للحكم": قد يكون الحكم على جودة الهواء مبنيًا على الإحساس الشخصي فقط ("أنا أشعر بالراحة والهواء عندما تكون النوافذ مفتوحة") دون فهم للعملية الفيزيائية للتبريد.
مفهوم تقديم الخبرة العملية على المعرفة التقنية: قد يعتقد القيّم أن خبرته الطويلة في خدمة المسجد ومعرفته العملية بما "يريح" المصلين، هي أسمى وأكثر موثوقية من أي معلومة تقنية حديثة حول كيفية عمل الأجهزة، مما يجعله يرفض النصيحة.
ثالثاً: تحديد المفاهيم الضعيفة أو الغائبة
تتجلى المشكلة أيضًا في ضعف أو غياب مفاهيم أساسية كان من شأنها أن توازن أو تصحح الشبكة المفاهيمية القائمة:
مفهوم "فقه السنن الكونية": غياب فهم أن قوانين الفيزياء (مثل انتقال الحرارة والعزل) هي جزء من سنن الله في الكون، وأن احترام هذه السنن والعمل بمقتضاها هو من تمام فهم حكمة الله في الخلق.
مفهوم "الترشيد وحفظ الأمانة": ضعف مفهوم أن موارد المسجد (الكهرباء، الأجهزة) هي أمانة ومال وقف يجب الحفاظ عليه وترشيد استخدامه، وأن هدره هو نوع من التفريط في الأمانة.
مفهوم "المسؤولية الجماعية": غياب شعور المصلين بأنهم مسؤولون بشكل جماعي عن صيانة مسجدهم والحفاظ على موارده، مما يؤدي إلى اللامبالاة ("الأمر لا يعنيني").
مفهوم "النصيحة بالحكمة كجزء من الدين": ضعف فهم أن تقديم النصيحة وتصحيح الخطأ (بحكمة ورفق) هو جزء أساسي من الدين ومن متطلبات الأخوة، وليس "فتنة" بالضرورة.
رابعاً: تشخيص "المفاهيم المشوهة" حول المعرفة ودورها (فجوة النخبة)
بالإضافة إلى المفاهيم السابقة، يكشف صمت الفئة المتعلمة (كمتقاعدي التعليم) عن وجود خلل أو تشوه في مفاهيم أساسية تتعلق بطبيعة المعرفة ودور المتعلم في المجتمع، مع احتمال أن تكون لهم تجارب فاشلة سابقة في ذات الموضوع ألجمتهم عن التدخل من جديد :
مفهوم "الفجوة بين العلم النظري والتطبيق العملي": يبدو أن هناك مفهومًا سائدًا يفصل بين المعرفة التي يتم تدريسها نظريًا (مثل مبادئ الفيزياء أو قواعد الترشيد) وبين تطبيق هذه المعرفة في مواقف الحياة اليومية. تصبح المعرفة مجرد "معلومات للامتحان" أو "للثقافة العامة"، لا أداة لفهم الواقع وتغييره.
مفهوم "الحياد السلبي للمتعلم": قد يسود مفهوم خاطئ بأن دور المتعلم أو المثقف هو مجرد مراقب ومحلل للظواهر، وليس فاعلاً ومؤثرًا ومسؤولاً عن تصحيح الأخطاء في محيطه، خاصة البسيطة منها. هذا يؤدي إلى انسحاب النخبة من أداء دورها التنويري والإصلاحي في المجتمع المصغر.
إن صمت هذه الفئة هو عرض خطير يكشف عن "فشل مفاهيمي" في منظومة التعليم نفسها التي مروا بها ومارسوها، والتي قد تركز على نقل المعلومات ، دون بناء المفاهيم الفعالة والقدرة على تطبيقها والشعور بالمسؤولية تجاهها.
خاتمة: من التشخيص إلى العلاج
نحن لا نواجه مجرد خطأ تقني بسيط، بل نواجه شبكة مفاهيمية معقدة ومقاومة للتغيير. في هذه الشبكة، تتغلب المفاهيم التقليدية (التهوية الطبيعية) والمفاهيم الاجتماعية (تجنب المواجهة) على المفاهيم التقنية والشرعية (الترشيد وحفظ الأمانة). هذا التشخيص الدقيق للمفاهيم السائدة والمستترة والضعيفة والمشوهة هو الخطوة الأولى والأساسية. فهو يوضح لنا أن أي محاولة للحل يجب ألا تركز فقط على شرح كيفية عمل المكيف، بل يجب أن تتعامل مع هذه الشبكة المعقدة بأكملها.
في المقال التالي، سننتقل إلى تحليل أعمق لشخصيات الفاعلين في هذه الحالة (القيّم، المصلون، النخبة الصامتة)، لنفهم كيف تتفاعل هذه المفاهيم مع دوافعهم النفسية والاجتماعية.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
