استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

دستور التحرر: من عقلية الضحية إلى أمانة الوراثة (قراءة في إدارة المواجهة مع الطغيان) (تدبر في الثمن 3 للحزب 17)


في هذا المقطع الحاسم من سورة الأعراف، يعرض القرآن مشهدين متناقضين للتحرر: مشهد السحرة الذين تحرروا فوراً بـ قوة اليقين فقالوا للطاغية ﴿قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَۖ﴾، ومشهد بني إسرائيل الذين قيدتهم عقلية الضحية فقالوا لنبيهم ﴿أُوذِينَا﴾. بين هذين المشهدين، يضع موسى عليه السلام دستور التغيير في آية جامعة، تنقل الأمة من مربع الخوف والشكوى إلى مربع الاستحقاق والوراثة.

الآية العمود: الدستور السياسي.. الأرض لله

إن الآية التي تمثل نقطة الارتكاز في المعركة هي قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوس۪يٰ لِقَوْمِهِ اِ۪سْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُوٓاْۖ إِنَّ اَ۬لَارْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦۖ وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَۖ﴾ (127).
أولى خطوات التحرر هي نزع الشرعية عن الطاغية.
ويشرح سيد قطب رحمه الله هذا المعنى الاستراتيجي قائلاً:
«وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها... فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها»، سبحانه.
ففرعون ليس رباً ولا مالكاً، بل هو نزيل ومستأجر ظالم انتهى عقده. هذا الوعي يحرر الناهض من رهبة المواجهة وقوة الطاغوت، فما هم إلا غاصبون لملك الله، وطردهم مسألة، وقت بإذن الله.

استراتيجية التجاهل: الرد بالبناء

بينما يصرخ فرعون بالتهديد ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾، يلتفت موسى لقومه ليربيّهم ﴿اسْتَعِينُوا﴾.
ويرى ابن عاشور رحمه الله في هذا السلوك: «قوة التصريح بقلة الاكتراث بالوعيد».
فالناهض لا يستنزف طاقته في الرد على صراخ الباطل، ولا ينجر لملعب الخصم، بل ينشغل بـ إعداد الصف وبناء القوة النفسية (الاستعانة والصبر).

الإدارة الروحية: ترقب نفحات اليسر

ولكن، كيف يصمد المستضعفون أمام البطش؟
يصف القشيري رحمه الله الوصفة النفسية التي قدمها موسى لقومه، فيقول:
«أحالهم على الله فإن رجوعَه إليه، فقال لهم: إن رجوعي -عند تحيري في أموري- إلى ربي، فليكن رجوعُكم إليه، وتوكَّلُكم عليه، وتَعَرَّضوا لنفحات يُسْرِه، فإنه حَكَمَ لأهل الصبر بجميل العُقبى...».
فبدلاً من الغرق في الشكوى (أوذينا)، يجب إحالة الملف إلى الله، وترقب اليسر الكامن في قلب العسر. إنها نقلة من انتظار الألم إلى انتظار الفرج.

شروط الأهلية: عقد الإعارة

الوراثة ليست شيكاً على بياض، بل هي عقد مشروط.
ويؤصل الشيخ المكي الناصري رحمه الله لقانون الاستخلاف قائلاً:
«والأرض ملك لله إنما يعيرها لخلقه للارتفاع والانتفاع... فإن فسقوا وظلموا وأفسدوا استبدل بهم قوماً آخرين».
فالله يعير الأرض لمن يحقق المنفعة (العمارة) و الرفعة (العبادة). ومن سكن الأرض بعقلية الضحية دون عمل، استُبدل بغيره.

الخاتمة: العاقبة للمتقين

النهاية السعيدة (العاقبة) ليست للأقوى، ولا للأكثر صراخاً، بل ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين جعلوا التحرر من الطاغوت خضوعا لله.

كتب حسان الحميني،
والله الموفق.

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.